أرجو عدم نشر ترجمتي للرواية دون إذن.
__________________________________
أرض قاحلة ومتصدعة؛ مماثلة للأرض المحيطة ببرج الساحرة. تلك المنطقة الجرداء ظلت مغطاة بضباب لا نهائي لمدة سبعين سنة.
كان هذا هو موقع المعركة بين فارساس ودروزا، حيث ثار السلاح السحري العملاق المعروف بالوحش الشيطاني. نظر شاب يرتدي رداءً إلى المساحة المقفرة التي أطلق عليها السحرة بحيرة سحرية. الفتاة ذات الشعر الفضي الواقفة بجانبه رفعت بصرها إلى رفيقها وقالت:
«ما الذي يوجد في مكان كهذا يا ڤالت؟ إنه بالتأكيد وفير بالسحر ولكن…»
فأجاب وهو يمرر يده بين شعره البني الفاتح: «لا يمكنك رؤيته، لكن كل شيء سيبدأ الآن.»
لقد كانا خارج مدينة قلعة فارساس، إلا أن ڤالت كان لا يزال يخفي طاقته السحرية. وأبعد نفسه عن الساحرة بمسافة جيدة، لكن كان هناك آخرون في هذه الأرض. لضمان سلاسة الطريق المؤدي لمقصدهما، قام بتقديم بعض المساعدة والإرشاد، لكنه لم يرغب أن يتوقعوا منه شيئًا أكثر من ذلك. سيخاطر ڤالت بإثارة المشاكل باستخدام سحره الخاص فقط كسبيل أخير بحت.
«يجب أن تكون قد لاحظته الآن. لنرَ ما لديها.»
سألت الفتاة ذات الشعر الفضي: «ساحرة القمر اللازوردي؟ هل حقًا ستأتي إلى هنا؟»
فأجاب ڤالت: «ستأتي. لديها أعين في كل أنحاء القارة، وخاصة هنا.» ونظر إلى السماء. القط الرمادي الذي كان يركض من بين الغيوم كان جني الساحرة؛ بهذه الطريقة كانت تبحث في كل مكان. كون الساحرة غير قادرة على التخلي عن ذلك الرجل كان مصيرها؛ ولذلك علم ڤالت أنها ستلاحظ انقلابًا في الموازين كهذا على الفور.
قال ڤالت: «سيتوجب علينا أن نختبئ لين السحب لبعض الوقت أيضًا. لا أريد أن أقاتلها وجهًا لوجه.» رغم أن سحره قد فاق سحر السحرة العاديين بكثير… وقد امتلك ذكريات لم يمتلكها غيره، كان بإمكان أي ساحرة إخضاعه للاستسلام بسهولة؛ كان هذا هو الفارق بين قواهم.
«الوحيد الذي يستطيع مجابهة ساحرة مباشرة وقتلها هو حامل أكاشيا.»
«أتقصد بحامل أكاشيا ولي عهد فارساس؟ هل ستجعله يقتلها؟»
«لا يستطيع الآن. لا يمكنه هزيمتها بعد.»
ولهذا السبب كانت الأمور لا تزال راكدة. أمنية الساحرة المسكينة ظلت غير محققة، وموازين العالم لم تنقلب بعد.
قال ڤالت: «فلنذهب يا ميراليس.» واصطحب الفتاة وغادرا الصحراء. صار الضباب الرمادي أكثر كثافة فحجب هيئاتهما البعيدة أكثر.
-----
ألقت سماء الصيف الصافية بضياءها على ساحة التدريب بالقلعة مجددًا. كانت تيناشا تستريح في الظل وتضع سيفها جانبًا، فجاء ألس وجلس بجانبها، ثم قال:
«لقد أحرزت تقدمًا كبيرًا، أو ربما إنه فقط أن حواسك قد عادت إليك.»
ردت تيناشا: «هل تعتقد هذا حقًا؟ شكرًا لك.»
بعد مبارتهما الأولى بدأت تيناشا تأتي ساحة التدريب بانتظام لتتمرن. أوصاها ألس ببعض الأوقات لتأتي فيها؛ جميعها كانت عندما يكون متفرغًا وميريدينا غير حاضرة، لكن صديقة طفولته ربما تكون قد لاحظت الأمر. شعر بالأسف تجاه ميريدينا ولكنه رحب بزيارات الساحرة لأن معنويات الجنود ترتفع كلما قدمت.
كانت تيناشا تثني ذراعيها حول ركبتيها وتضع رأسها فوقهما، وسألت: «كم من الوقت تعتقد أنه سيستغرق مني كي أكون بمثل مستواه؟»
«أتعنين سمو الأمير؟ لطالما كان هذا مستحيلًا طيلة مدة ممارستي للمبارزة. لم يسبق لي هزيمته قط.»
سألت تيناشا وهي تنظر إليه بعينين كبيرتين: «ماذا؟ حقًا؟» وجاءت أشعة الشمس على عينيها القاتمتين فجعلتها تلمع مثل كوارتز أسود.
أومأ ألس برأسه وأعاد ربط حذائه قائلًا: «حقًا. هذا بيننا فقط، ولكنني كنت منزعجًا جدًا بعد أول مبارزة معه. كنت أستهين به نوعًا ما ظنًا مني أن السلالة الملكية لا يمكن أن تكون مميزة أو أي شيء.»
قالت تيناشا وصوتها يتخافت: «هو قوي لتلك الدرجة…» ونظرت إلى السماء وتنهدت. كانت الغيوم تمر بسرعة؛ الرياح في الأعلى كانت سريعة جدًا غالبًا.
«مؤخرًا كان سمو الأمير يجيد البقاء في القلعة، لكن حتى فترة قريبة كان دائمًا يتسلل مع لازار إلى أماكن بعيدة… هذا لم يكن خطرًا في حد ذاته لذا تركته وشأنه. مع ذلك عندما سمعت أنه ذاهب إلى برج الساحرة ظننت أنه قد فقد عقله. كان مفاجئًا جدًا رؤيته قد عاد بلا أي أذى.»
قالت تيناشا: «سمعت أنه قضى على وحوش البرج الحارسة بسهولة.»
تمتم ألس قائلًا: «هل نحن واثقون أنه إنسان؟»
تنهد الاثنان. وصفف ألس شعره الأحمر للوراء كي لا يعيقه، ثم قال: «لم لا تستخدمين السحر وحسب؟ ألا تستطيعين استخدامه في المدى القريب أو ما شابه؟»
ذكرته تيناشا قائلة: «في العادة أنا أضع حاجزًا، ولا تنسى أنه يحمل أكاشيا معه.»
فقال ألس: «اوه… صحيح، أجل.»
السيف الملكي الذي يمنح حماية مطلقة من كل السحر. مضى عامان الآن منذ أن سلَّح أوسكار نفسه بعدو السحرة كلهم.
حسم ألس الأمر قائلًا: «أعتقد أنه مستحيل.»
«إنه كذلك حقًا.» تنهدت تيناشا. وجعل الجنرال الأمر يبدو قاطعًا لدرجة أنها شعرت بالخوف قليلًا.
على الأرجح لاحظ ألس ذلك فنظر إليها بنظرة شفقة وقال: «أليس ممكنًا أن تطلبي منه تعليمك؟»
«مممم… أنا لا أريد حقًا إظهار نواياي له بعد. ما زلت لا أعلم كيف ستسير الأمور .»
«هكذا إذًا، فهمت…» أمال أصغر جنرال في فارساس رأسه متفكرًا، ثم كرر قائلًا: «أجل، أعتقد أنه مستحيل.»
فصاحت تيناشا قائلة: «لااااا!» وبدت مكروبة أكثر مما بدت منذ لحظات. ولبرهة ظن ألس أنها أُغشي عليها من هذا الألم ولكنها فقط تدلت بفتور إلى الأرض.
بعد انتهاء التدريب كانت تيناشا تمشي في ممر رابط حينما ناداها شخص، فتوقفت. لم يتمكن أحد آخر من سماع صوت المتحدث. ذهبت تيناشا للخارج وسارت نحو جذر شجرة ضخمة في الحديقة.
«ليتولا.»
«سعيد لرؤيتك بخير يا سيدتي. لقد رُزقت بحامل عقد جيد.»
سألت تيناشا: «هل تظن ذلك؟»
قفز ليتولا من جذع الشجرة العلوي الذي كان يجلس عليه وهبط على الأرض بلا صوت، ثم انحنى وقال: «يبدو أنك تستمتعين بوقتك الآن أكثر مما اعتدت عليه.»
قالت الساحرة: «أعتقد أنه ممتع ولكن… حسنًا، ليس سيئًا.» وهزت كتفيها بوجه عابس.
عبس ليتولا قليلًا ردًا عليها وقال: «ألا يجب أن تتزوجي منه وحسب؟ لا يبدو أن الأوضاع ستتغير بعد عام أو حتى مئة عام.»
فقالت تيناشا وهي تلوح بيدها في رفض: «ستتغير، ستتغير. وأيضًا، لا رغبة لي في زوج.»
حنى ليتولا رأسه باحترام أمام هذه الحركة الإنسانية، وقال: «لقد بالغت في كلامي، سامحيني رجاءً. لقد أتممت التحري الذي كُلفت به لذلك أتيت اليوم لإبلاغك.»
«حسنًا، قل ما لديك.» سقطت الستارة التي كانت تخفي مشاعر تيناشا من عينيها السوداوين، وكانت نظرتها تشبه بركة ماء ساكنة تمامًا. كان هذا وجه الساحرة؛ التعبير الذي يختلف كثيرًا عن التعبيرات التي كانت تظهرها لأوسكار أو ألس عادة. استمعت تيناشا للتقرير في صمت، ثم نقرت على لسانها بانزعاج بعد أن أنهى ليتولا تقريره.
بينما كان أوسكار ولازار يأخذان استراحة ليلعبا بالبلابل، ظهرت الساحرة في مكتب أوسكار. تدخلها المفاجئ باغت الرجلين.
لم تكن ترتدي رداء السحرة الاعتيادي خاصتها ولا ثوبًا فضفاضًا، وإنما زيًا سحريًا مطابقًا لحجم جسدها، منسوجًا من القماش الأسود، ومرصعًا بالأختام السحرية. كان الزي ملاصقًا لمنحنيات جسمها، وتصميمه كان غير مألوف في فارساس مما أضفى عليها حضورًا مهيمنًا غريبًا، وجاذبية لافتة للنظر. وفوق ذلك الزي كانت ترتدي عباءة منقوشة أيضًا برموز سحرية.
ربما كان الأغرب من بين كل ذلك هو سيف رفيع معلق عند خاصرة تيناشا. وزينت يديها أساور معصم مزينة بالبلور، وأحزمة مربوطة في خصرها وساقيها حملت أغراضًا أخرى شابهت الأسلحة.
على الأغلب كانت هذه بذلة القتال خاصتها.
فهم أوسكار ذلك سريعًا وقام، ثم قال: «ما الذي حدث؟ لم ترتدين هذا؟»
ردت باقتضاب: «سأخرج لمدة يومين أو ثلاثة.» واستدارت لتغادر. فشدها أوسكار من معصمها وبالكاد أمسك به.
ثم سألها بإلحاح: «مهلًا، مهلًا. إلى أين ستذهبين؟»
فقالت: «هل هذا مهم؟ سأعود سالمة.»
«لا يبدو أنك ذاهبة للعب وحسب. لقد أزلت كل حُليِّك الخاتمة.»
لكي تتماشى تيناشا مع هيئتها كساحرة متدربة كانت عادة ترتدي خواتمًا وأقراطًا مصممة لختم سحرها. إذا ارتدى ساحر عادي ولو واحدًا منها، فلن يتمكن من إلقاء التعاويذ إطلاقًا. ومع ذلك ارتدت تيناشا حوالي عشرة منها بجانب عملها كساحرة ملكية. كانت قوية لتلك الدرجة، ولكنها الآن أزالت كل أصفادها.
كانت على وشك الرحيل بيد أن أوسكار شدها نحوه، وسارع لازار بإغلاق الباب وسد طريق خروجها.
ناشدها أوسكار قائلًا: «على الأقل أخبريني إلى أين ستذبين. لقد أبرمت عقدًا معي. لا يمكنك الذهاب والمغادرة هكذا وحسب.»
نظرت تيناشا إليه شزرًا. وبدت مختلفة بالكامل عن شخصيتها الاعتيادية، ولازار كان خائًفا منها بوضوح. عندما رأت الساحرة أن أوسكار غير مرتعب إطلاقًا من عينيها المتوهجتين، اعترفت على مضض قائلة: «البحيرة السحرية في دروزا القديمة.»
كرر أوسكار: «دروزا القديمة؟» لكنه فهم على الفور، وقال: «إذًا لهذا قُتل ذلك الساحر.»
«ماذا؟ ماذا؟ ما الذي تتحدثان عنه؟» كان لازار مرتبكًا تمامًا وغير قادر على استيعاب الحوار.
شرح أوسكار وهو لا يزال يمسك بمعصم الساحرة بقوة قائلًا: «الرجل الذي سُمم اعتاد أن يذهب كل شهر لدراسة البحيرة السحرية في دروزا القديمة. هناك شخص لم يُرده أن يفعل ذلك، فحرض حبيبته على قتله، صحيح؟ أُرسل باسفال إلى المدينة لإثارة الفوضى في المجلس الملكي، وكسب الوقت.»
أومأت تيناشا تأييدًا منها لافتراض أوسكار، وقالت: «موجات سحر قوية تجري عبر البحيرة السحرية. سأذهب لأتحرى وأرى إن كان هناك شخص يدبر أمرًا ما. هل هذا مقبول؟» سألت وهي تلتمس أوسكار بعينيها ليتركها.
هز أوسكار رأسه وقال: «أمهليني ساعة. أنا قادم أيضًا.»
«ماذا؟» انفتح فم تيناشا من الدهشة، ولكنها استعادت هدوئها بسرعة وقالت: «هذا ليس ضروريًا. بالأحرى، يجب ألا يتجول الأمير في الأرجاء.»
«ماذا تظنين أنك فاعلة بذهابك وحدك؟ تحت شروط المعاهدة، تلك الأرض لا تخضع لأي دولة، لكن في الواقع فارساس تسيطر عليها. إذا حدث شيء وكنت أنت الوحيدة التي تقومين بالتحري، فلن يكون لدي سبب كاف لإقحام الدولة في الأمر.»
كانت وجهة نظره مقنعة. لانت تعابير وجه تيناشا قليلًا، لكنها كانت لا تزال تنظر بحدة إلى أوسكار، ثم قالت: «إذا اصطحبتك معي ستكون مشكلة أكبر.»
استنتج أوسكار لنفسه قائلًا: «سأجمع فريقًا بارعًا. خمسة عشر يجب أن يكون كافيًا لمهمة تحري.»
فحذرته قائلة: «لست ملزمة بحماية أحد غيرك.»
رد أوسكار مباشرة: «أفهم ذلك.»
لم يتردد أوسكار على الإطلاق؛ مما ترك تيناشا في ذهول. الأمير لم يضطرب لدرجة كاد أن يُحسد عليها، وقدم تحليلًا سريعًا وهادفًا. هذا بلا شك هو ما جعله أهلًا للعرش؛ إنها سمة المحارب القوي الذي يقدر على احتواء كل شيء، والوقوف صامدًا.
تنهدت تيناشا بعمق. أفكارها توقفت، وحل مكانها عدد لا يحصى من الذكريات التي تدفقت خلال عقلها؛ مشاهد وأصوات قد فقدتها، نفسها كطفلة، دولة على حافة الدمار، عدد غير محدود من… الناس الذين أبرمت عقودًا معهم ولم يعودوا على قيد الحياة. كانت كآخر الآثار المتبقية لعواطفها؛ وجميعها لا يمكنها استعادتها. ما الذي كان في هذه اللحظة ليثير أفكارًا كهذه؟
بينما حدقت تيناشا في هذا الرجل الذي أمامها، قالت بصوت مبحوح: «ساعة واحدة… لن أنتظر أكثر من ذلك.»
فقال أوسكار: «هذا كل ما أحتاجه.» وتركها أخيرًا. ثم غادر الغرفة ليبدأ في تجهيز الأمور.
تمامًا بعد ساعة واحدة، اجتمعت مجموعة من خمسة عشر شخصًا بمن فيهم أوسكار وتيناشا. بعد ذلك كانوا سيدخلون إلى نظام نقل سيقوم بجلبهم إلى حصن على الحدود الشمالية. كان هناك أربعة سحرة، وتسعة جنود بمن فيهم ميريدينا. احتج الجميع على ذهاب ألس وقالوا أن القلعة ستكون في ضياع بغيابه؛ فبقي الجنرال. ولهذا السبب ذاته لم يكن رئيس السحرة كومو فردًا من المجموعة أيضًا. لكن كلاهما جاءا لتوديع الآخرين؛ على الأغلب لقلقهما.
تيناشا كانت تقف في زاوية، وما زالت تبدو عابسة بعض الشيء. وبينما كانوا في الانتظار أتت واحدة من السحرة في المجموعة لإلقاء التحية.
«اسمي سيلڤيا. أعتقد أن هذه أول مرة نتحدث فيها. سررت بمعرفتك.»
كانت الساحرة ذات شعر أشقر لامع ووجه لطيف، وبدت في قرابة العشرين من العمر. كانت تبدي نوعًا من الدفء الطبيعي مما ساعد على إذابة انزعاج تيناشا.
ابتسمت تيناشا وقالت: «سررت بمعرفتك أيضًا.»
سألت سيلڤيا: «ام، هل هذا تنين؟» وأشارت إلى التنين الأحمر بحجم البومة الجاثم على كتف تيناشا. تثاءب التنين المعني غير مكترث بها.
«أجل، ولكنه غير معتاد كثيرًا على الناس، فكوني حذرة.»
فقالت سيلڤيا: «واو… لم تسبق لي رؤية تنين من قبل.»
«تيناشا!» أتى صوت عال ومحكم لرجل. كان هناك شخص واحد فقط في القلعة يناديها بتلك الطريقة بلا "آنسة" قبلها. لاستدعائها من الشخص المتعاقد معها، ركضت تيناشا نحوه بعد أن أومأت لسيلڤيا. لاحظ أوسكار التنين، فاتسعت عيناه وسألها:
«ما هذا؟»
أوضحت تيناشا قائلة: «عندما كنت أخطط للذهاب وحدي، استدعيته لأستقله إلى هناك.»
فقال أوسكار ممعنًا النظر فيه: «هذا لا يبدو كبيرًا بما يكفي لحمل راكب.» وأنهى محادثتهما عند ذلك. ثم خاطب المجموعة قائلًا:
«نحن ذاهبون للتحقيق في البحيرة السحرية في دروزا القديمة. لا نعرف ما الذي سيحدث، لذا كونوا على حذر. أيضًا، نفذوا كلامها.» ألقى أوسكار هذا الأمر، ومد يده من فوق التنين ليضعها على رأس تيناشا. نظر التنين إلى أوسكار بفضول.
الأمر الذي أصدره فاجأ تيناشا فهمست بنبرة منزعجة: «ألا بأس بقول ذلك؟»
رد أوسكار بهدوء: «لا نستطيع شرح القصة كلها.»
فقالت تيناشا: «أنت غريب جدًا.» ريجيوس كان غريبًا إلى حد ما أيضًا، لكن أوسكار كان في عالم خاص به.
نظرت تيناشا سريعًا إلى سيلڤيا التي بدت قلقة نوعًا ما. وخلال ذلك لمحت الساحرة وجه ميريدينا الغاضب، ثم نظرت إلى ألس، وكومو، ولازار على التوالي، وأخيرًا رفعت نظرها إلى أوسكار الذي ابتسم قليلًا حينما لاحظ نظرتها.
«سيكون كل شيء على ما يرام. سأتولى الأمر.» كان لصوته نغمة جميلة.
تنهدت تيناشا بعمق وأغلقت عينيها. ثم تراءت لها ذكريات اليوم الذي غادرت فيه هذه القلعة لتقاتل ضد دروزا.
«فلنذهب يا تيناشا. أحتاج لقوتك.»
كانت الذكرى سريعة الزوال كفقاعة على حافة الماء. لم يعد هناك أحد من ذلك الوقت على قيد الحياة، وفي النهاية سار كل شيء وتُركت تيناشا وحدها، إلا أنها ظلت عالقة في المكان ذاته؛ فهذا ما اختارته لنفسها.
رفعت تيناشا رأسها، ورفعت أهداب عينيها الطويلة، وابتسمت للجميع ابتسامة جميلة لدرجة أنها سحرتهم للحظة.
العاطفة التي كانت تفيض من عينيها لم تكن سوى وحدة بحتة بالغة الوضوح؛ ضوء أحب وأعجب بحياة البشر الزائلة. كان أوسكار منذهلًا بذلك لبرهة. شعرت تيناشا بشهيقه، فاستدارت لتنظر إليه وسألته: «ما المشكلة؟»
«اه… لا شيء.» أشاح الأمير بصره. ولم يكن لدى تيناشا فكرة عن ما كان يفكر به.
عادت تيناشا للمركز، وقالت: «فلننطلق.»
وبينما قالت ذلك بدأ نظام النقل في التحرك.
-----
بعد انتقال الفريق إلى حصن ينرايد على الحدود الشمالية، استعاروا جيادًا وعبروا الحدود الدولية للذهاب إلى البحيرة السحرية في دروزا القديمة. كان الجو بأكمله لا يزال مغطًا بالضباب الرمادي طيلة العام؛ الأمر الذي اعتقد كثيرون أنه نوع من التأثير الدائم للحرب منذ سبعين سنة خلت. كانت الرؤية ضعيفة، لكن المجموعة اعتمدت على السحر المدفون عميقًا تحت الأرض لإرشادهم.
بعد ساعة بدأ المنظر الضبابي أخيرًا في إظهار بعض التغير الملحوظ.
عند طليعة الفريق، عبس أوسكار وهو يعدو بحصانه بجانب تيناشا، وقال: «يا له من منظر. يبدو ككابوس أحدهم.»
بين الحين والآخر، كانت تظهر شجرة بأغصان ضعيفة ملتوية وجذع معقوف. لا شيء عدا تلك الأشجار عديمة الأوراق التي شابهت الأفاعي، وصخور محيطة بها. كان يبدو مثل عالم آخر تمامًا.
ردت تيناشا دون النظر إلى أوسكار: «لقد كان مدمَرا بالكامل منذ سبعين سنة. هذا في الواقع أفضل مما كان يبدو حينها. لكنه سيستغرق قرنين آخرين لينقَى ذاتيًا بالكامل.»
«إذًا نحن لسنا في منتصف الطريق حتى. لا شك أنه كان سيئًا للغاية آنذاك، أليس كذلك؟»
الساحرة التي بجانب أوسكار كانت هي من وضع نهاية لتلك الحرب التاريخية. ربتت تيناشا على خصلات شعرها التي قد تفرقت، وقالت: «أجل… كان صعبًا للغاية. بعد كل شيء، ذلك الوحش لا يُتذكر كسلاح سحري مريع بلا سبب. فعلت كل ما بوسعي فقط لأختمه.»
تساءل أوسكار: «إن كان حتى أنت لم تستطيعي هزيمته، ألا يعني هذا أنه قوي بشكل لعين؟ هل حقًا استخدموا شيئًا كهذا في المعركة؟»
«لم يتمكنوا من التحكم به بالكامل. أعتقد أنهم أطلقوه في القتال وتركوه يهيج وحسب. لكن أنا سعيدة أنني قررت ختمه؛ فبالنظر للوضع، لو كنا قاتلناه وجهًا لوجه لكانت المذبحة بشعة.»
كون تيناشا تتحدث بكل وضوح عن حرب مضت منذ وقت طويل في حين تبدو كفتاة جميلة، جعل الواقعة تبدو كحكاية خيالية؛ لم تبدو حقيقة. نظرت إلى السماء الملبدة بالضباب وقالت: «البحيرة السحرية أمامنا مباشرة… ولكن أعتقد أن الخيول قد أوشكت على بلوغ حدها. أكثر من ذلك وسنسير بها نحو هلاكها.»
كانت تيناشا على حق؛ فقوة الجياد وسرعتها قد بدأت تضعف. على الأرجح كانت أكثر حساسية للجو من ركابها؛ فلم يكن لدى الفريق خيار سوى ربطها في الأشجار القريبة، والمواصلة سيرًا على الأقدام.
أثناء سيرهم، تمتمت تيناشا بتعويذة قصيرة ورفعت يدها. أحس أوسكار أن الجو المحيط به قد تغير، فنظر حوله، ثم سأل:
«ما الذي فعلته؟»
«أنشأت حاجزًا. البخار الضار يزداد كثافة.» بعد ذكرها لذلك، لاحظ أوسكار أن الجميع كانوا يبدون شاحبي الوجوه قليلًا وعلى غير ما يرام. لكن بسبب حاجز تيناشا تعافى الفريق بسهولة.
أشار أوسكار الذي لم يلاحظ أي شيء غريب إطلاقًا إلى وجهه، وسأل: «هل نجوت من التأثير بسبب حمايتك؟»
أجابت تيناشا وهي تبتسم: «صحيح. أستطيع حمايتك من البخار الضار دون تحريك إصبع واحد.»
تمتم ساحر شاب خلفها يدعى دون قائلًا: «لم تذكر تقارير تيميس أي بخار ضار…»
«ربما هناك شيء يحدث.»
قال دون وهو يهز الرمل عن شعره الرمادي القاتم: «أود أن أتجنب أي نوع من الأحداث التاريخية في العملية…» كان يُرى على أنه رئيس السحرة التالي على نحو واسع، ولكن نظرًا لنزعته لإخفاء مواهبه ببراعة، فكان سلوكه أقرب إلى موظف حكومي خبير، ولم يخف دواعي قلقه البسيطة.
أجاب أوسكار: «لا تستطيع أن تكون في شيء كهذا بمجرد التفكير فيه على أي حال. أنا أعلم، فقد كنت دائمًا أتمنى لو أكون في مثله عندما كنت طفلًا.» بدا دون مثبط الهمة من ذلك الرد المفعم بحب الاستكشاف الجريء، وتنهدت تيناشا بخفة.
كانوا على وشك دخول البحيرة السحرية.
كانت صحراء جرداء من الماء والعشب، وكان الضباب الكثيف ذاته يغطي كل شيء مما جعل من الصعب رؤية أكثر من عشر خطوات إلى الأمام. الأرض المتصدعة كانت جافة تمامًا ولكن بين الفينة والأخرى كانت تظهر تموجات صغيرة فوق الأرض تتحرك مثل الأمواج.
حدق أوسكار في موجة مرت بجانب قدمه، وقال: «هذه أول مرة لي هنا… هل هذه الموجات طبيعية؟»
أجابت تيناشا: «غالبًا.» ثم بدأت ترتل تعويذة أخرى أطول من السابقة. فانبسط شكل دائري ضخم على الأرض استجابة لها، وعندما أنهت تعويذتها طفت خيوط حمراء من الحدود الخارجية للدائرة، وانتسجت معًا فوق الشكل مكونِة قفصًا نصف دائري.
ثم أمرتهم قائلة: «لا تذهبوا أبعد من هذا وانتظروا هنا قليلًا. سأذهب لإلقاء نظرة في الأرجاء.»
قال أوسكار: «اه، مهلًا يا تيناشا.» وأمسك بذراعها على الفور لكن الساحرة كانت قد طفت بالفعل إلى الأعلى، وفي لحظة اختفت في الضباب.
شاهدها دون تذهب وتمتم قائلًا: «ماذا تكون حقًا…؟»
فقال أوسكار: «إنها غريبة الأطوار قليلًا. أريد أن أرجعها…» لقد تبع تيناشا على أمل أن يمنعها من الذهاب وحدها، ولكنها اختفت عن نظره. أراد أن يلحق بها ولكن الضباب جعل ذلك صعبًا.
مع ذلك… بسبب أنه وحده كان معه حماية تيناشا فغالبًا كان يمكنه المغادرة والتحرك في الأنحاء بلا مشكلة. نظر أوسكار سريعًا إلى السيف الملكي عند خصره، فلاحظته ميريدينا وكانت على وشك قول شيء حينما صرخ أحد الجنود قائلًا:
«الـ-الضباب!»
عندما التفت البقية لينظروا، إذا بموجات عالية من الضباب الكثيف تتسرب للداخل، وفي طرفة عين تدفقت إلى داخل الحاجز؛ فحجبت الرؤية عن الجميع. تعالت الصيحات وكاد الاضطراب أن يسود.
فصاح أوسكار قائلًا: «حافظوا على هدوئكم! لا تتحركوا!»
حتى لو لم يتمكنوا من الرؤية، كان عليهم فقط البقاء داخل الحاجز؛ هذه كانت النتيجة المنطقية التي توصل إليها الرجل الذي علم هوية تيناشا الحقيقية. بيد أن الضباب الغريب بدا أنه يزداد كثافة، كما لو كان يسخر من أوامر أوسكار، وكان الجو شديد البرودة. عندما أوشك أوسكار على النقر على لسانه من الانزعاج، سمع صرخة عالية لفتاة تدوي من مكان بعيد.
«تيناشا؟» تردد أوسكار لثوان معدودة، ثم صاح قائلًا لأتباعه: «ابقوا هنا! سأعود قريبًا!»
«سمو الأمير!»
خرج الأمير نحو بحر من الضباب، واستل سيفه. تقدم عبر البحر الرمادي الطافي بحثًا عن حاميته، وكلما تعمق أكثر في الظلام شعر أن الهواء ينحرف من حوله.
بعد مضي بعض الوقت انحسر الضباب قليلًا أخيرًا. رأى أوسكار ظلًا في الأمام فبدأ يتجه نحوه إلا أن شخصًا أمسك بيده من الخلف.
«سمو الأمير… لا يمكنك ذلك.»
«ميريدينا؟ هل تبعتِني؟»
الضابطة ميريدينا كانت تمسك أوسكار بتعبير مُلح ووجه شاحب، ثم هزت رأسها وقالت: «إنه فخ. عد رجاءً.»
اعترض أوسكار قائلًا: «أعرف ذلك ولكن…»
كان على دراية أنه قد يكون فخًا ولكن إن كانت تيناشا في خطر فما كان يستطع تركها لمصير كذلك. لقد خرج وهو يعلم أنه الوحيد القادر على تحمل الضباب الغريب.
لكن ميريدينا لم تبدِ أي علامة على الاستسلام فخضع أوسكار لعنادها، وأشار إلى الظل الذي أمامهم في الضباب قائلًا: «حسنًا، إذًا سأعود بعد أن أتحقق من هذا.»
وقف الظل صغير البنية ثابتًا تمامًا؛ وبناءً على ذلك فلا يمكن أن تكون تيناشا. ولكن أوسكار استنتج أنه إذا لم يتحقق منه فستكون رحلتهم الاستكشافية لمعرفة الحقيقة بلا معنى.
تركت ميريدينا الأمير على مضض وسارت خلفه. تقدم الاثنان عبر الضباب بحذر حتى وصلا إلى الظل المبهم؛ كان ظهره مواجهًا لهما، وبعد أن نظرت إليه ميريدينا عن قرب أصدرت صيحة صغيرة من الدهشة.
وقال أوسكار: «هذا غير متوقع.»
ثم استدار الظل ببطء كما لو استجاب لصوتيهما. كان هيكلًا عظميًا يرتدي درعًا باليًا.
قفزت تيناشا فوق البحيرة السحرية، وأطلقت سحرها لتفحص المنطقة. ما تمكنت من رؤيته خلال الفجوات بين الضباب لم يدل على أي شيء غير اعتيادي، بيد أن البخار الضار الظاهر وموجات السحر القوية بشكل غير عادي أعربت عن خلل واضح.
«ربما هو تحت الأرض…»
عادت الساحرة إلى الحاجز الذي صنعته لكنها لاحظت على الفور أن ثمة شيء خاطىء. بضعة أشخاص كانوا غائبين ومن بينهم حامل العقد معها.
«آنسة تيناشا!» نادتها سيلڤيا بصوت عال، فطارت تيناشا نحو الساحرة وسألتها:
«ما الذي حدث؟ أين هو سمو الأمير؟»
«الـ-الضباب فجأة تسرب إلينا… واستطعنا سماع العديد من الأصوات من خارج الحاجز. لقد أخبرنا أن ننتظر كلنا هنا و…»
«…»
كان هذا هو العدو الذي مهد الطريق لعرقلة التحري كليًا في فارساس، فلا شك أنه لم يكن مفاجئًا أنهم سيقومون بشيء لفريق التحري أيضًا. على الأرجح سلب العدو الرؤية عن المجموعة، واستغل الضوضاء لإثارة الفوضى، ونقل من غادر الحاجز إلى مكان عشوائي. كان ذلك خطأ تيناشا لعدم اتخاذها لإجراءات احترازية ضد أفعال كهذه، ولكنها ظنت أن الأمر سيسير على ما يرام إذا غادرت لفترة قصيرة فقط. حاليًا كانت تلعن نفسها لعدم تفكيرها في إفقاد أوسكار الوعي.
مع ذلك فلم يكن أحد ليعلم أنها كانت تلوم نفسها بكلماتها.
«ذلك… الأمير... الأحمق!» كانت تيناشا تهتز غضبًا، ونظر إليها الباقون بخوف.
فقالت سيلڤيا في محاولة منها لتهدئتها: «كان سمو الأمير قلقًا عليك يا آنسة تيناشا. ينبغي أن يعود قريبًا…»
قالت تيناشا بنبرة حادة: «يجب علي حقًا أن أعطيه توبيخًا صارمًا!» وكتمت غضبها، وفتحت كلتا يديها لتنسج تعويذة بلا ترنيمة.
ثم شرحت قائلة: «سوف أحدد موقعهم. لا أعتقد أنهم ذهبوا بعيدًا.»
كانت تيناشا ستلاحظ إن تم نقل أي شخص خارج الصحراء. وتمامًا كما توقعت، أحست بموقع أشخاص. لقد حذرت أوسكار أنها ليست ملزمة بحماية أحد غيره، لكن في الحقيقة كان أوسكار هو الوحيد الذي وثقت تيناشا أنه سيكون بخير دون أن تذهب لمساعدته، ولم يكن ذلك ينطبق على الباقين الذين فرقهم العدو. إن لم تجلبهم بسرعة فما كان أحد ليعلم أي نوع من المخاطر يمكن أن يقعوا فيها.
بينما كررت تيناشا تعويذة تحديد المواقع، أظهرت ثلاث كرات ضوئية صغيرة في يديها لكي تنير الطريق وتوفر الحماية. ثم أطلقتهم في الهواء حيث طاروا بجانبهم إلى أن اصطدمت واحدة منهم بشيء ورجعت.
فقالت تيناشا في دهشة: «ماذا؟» أصدرت الكرة صوت خشخشة معدنية. وانبعث من الضباب عدة أشكال.
رغم ارتدائهم لدروع وحملهم لسيوف فهم حتمًا لم يكونوا أحياءً. لمحت سيلڤيا محاجر أعينهم الفارغة فأصدرت صرخة عالية.
وصاحت قائلة: «جثث ميتة! هياكل عظمية!»
تمتمت تيناشا قائلة: «ووه، إنهم حقًا موتى.»
جثث لا تحصى قد تعفن لحمها منذ وقت طويل كانت تترنح تجاهم.
داخل الحاجز، عبس الساحر دون وقال: «ذلك الدرع يحمل شعار دروزا. بعضهم يحملون شعار فارساس أيضًا.»
«أشباح منذ سبعين سنة…»
كان عدد ضحايا الحرب هائلًا، ودُفن كثير من الجنود في أرض المعركة على عجالة. قام شخص برفع جثثهم. كانت الأشياء المتثاقلة تمسك بسيوفها كما لو لم يعلموا أنهم موتى، وببطء شديد، قام الموتى المتحركون بإحاطة فريق التحري من جميع الجهات.
قدم أحد ضباط الجيش قرارًا قائلًا: «فلنقاتلهم. من غادروا لن يتمكنوا من العودة على هذه الحال.»
وافقته تيناشا قائلة: «… أعتقد أنك على حق.»
كان بإمكانهم البقاء محجوزين داخل الحاجز ولكن هذا كان سيعني استسلامهم بشأن استعادة الأشخاص الضائعين.
استلت تيناشا سيفها وأصدرت أمرًا للتنين الذي على كتفها قائلة: «نارك، اذهب وابحث عن أوسكار واجلبه! إنه الرجل ذو العينين الزرقاوين الذي كان هنا منذ قليل. هناك علامة عليه لذا ستتعرف عليه، حسنًا؟ لو كان معه أحد آخر اجلبهم معه أيضًا. لا تأكلهم!»
صاح التنين، وانحنت رقبته وذيله وكبر حجمه وازداد طوله. وتمدد المخلوق حتى صار جسمه القرمزي بحجم حصان. نظر التنين بمؤخرة عينه إلى المجموعة المندهشة، ثم رفرف بجناحيه وحلق نحو الضباب.
لم تهتم تيناشا حتى بمشاهدته يرحل، وبدلًا من ذلك خرجت من حاجز الأمان خاصتها. فهاجمها محارب هيكلي، لكن تيناشا جعلت سلاحه يدور في الهواء، ثم استخدمت سيفها لتقطع رأس الجثة.
أمرتهم تيناشا قائلة: «حالما يعود الجميع سنتراجع. قوموا بصدهم حتى ذلك الحين.»
فقالت سيلڤيا: «سوف أدعمك.» وركضت وراء تيناشا. وقام الآخرون باستعداداتهم للقتال.
بالتدريج أحكم الموتى المسحورون الحصار على المجموعة. وسرعان ما اشتدت أصوات السيوف المتلاحمة وسط المشهد المروع.
لم يظهر أن هناك نهاية للجنود الموتى الذين قضيا عليهم. دوى صوت وقع الأقدام المتثاقلة وهي تدنو في الهواء الرطب، ورائحة التعفن والوحل النتنة كانت كاسحة، مثل ما كان الاستدراج للتقيأ.
كانت ميريدينا تقاوم الرغبة في الصراخ وهي تقاتل. لو كانت وحدها فلربما كانت قد انضمت إلى صفوف الموتى الأحياء بالفعل.
بعد أن نجحت بالكاد في صد هجمة سيف طويل من فوق رأسها، تمايلت للخلف من أثرها، فاندفع سيف آخر من وسط الضباب مصوبًا نحو جنبها. لم تستطع تفاديه، لكن سيفًا آخر منع ما كان سيكون ضربة مميتة.
«أنت بخير؟»
قالت ميريدينا: «سمو الأمير… شكرًا لك.»
أُقحم أوسكار أيضًا في المعركة التي بدت بلا نهاية، إلا أنه لم يتعرق حتى. كان حضوره الراسخ مطمئنًا، فالتقطت ميريدينا أنفاسها، وفي الوقت ذاته خالج صدرها شعور قارص، ثم قالت:
«فلنشق طريقنا ونعد. أنا متأكدة أنها سالمة.»
أجاب أوسكار: «أعتقد ذلك أيضًا. ولكن عمليًا أنا حاميها نوعًا ما.» ونظرته تبحث عن تيناشا من بين الضباب.
بدت كلماته كما لو أنه شعر بحس المسئولية تجاهها وحسب، لكن ميريدينا علمت أنه كان أكثر من ذلك. فكتمت في نفسها تنهيدة حزن، وكانت تأمل أن أوسكار لم يدرك ذلك. في تلك اللحظة بدا ببساطة أنه يشعر أن عليه حماية الفتاة التي جلبها معه.
لكن النظر إلى الوضع من الخارج كشف عن شيء إضافي؛ مثل الابتسامة الصافية التي أظهرتها تيناشا لأوسكار عندما غادروا القلعة… وكيف فتنته بالكامل في غمضة عين.
حتى هذه اللحظة، على الأرجح كان الأمير يعد تيناشا كقطة لطيفة. لقد أمضى أغلب الوقت معها ولكنه لم يهتم كثيرًا بمظهرها الجذاب وقوتها السحرية. ميريدينا كانت غالبًا أكثر انتباهًا لتلك الصفات من أوسكار… وكانت معذبة بمشاعر سرية من الدونية، وصار الأمر أسوء حينما علمت أن منافستها قد ذهبت لتتمرن مع ألس وأنها أفضل في المبارزة من ميريدينا ذاتها. كانت تعلم أنه لا حاجة لمقارنة نفسها بهذه المرأة، ولكن لم تستطع كبح شعورها بالهزيمة لمجرد معرفتها بوجود عدوة كهذه.
مع ذلك، فلا شك أن أوسكار قد علم شيئًا عندما رأى تلك الابتسامة أيضًا… ربما أن تيناشا لم تكن طفلة ضعيفة تحت حمايته، بل بالأحرى شخصًا قد أمضى معه وقتًا لم يكن ليعطيه لأحد آخر.
«لا بأس يا سمو الأمير. بحلول الآن، أنا واثقة أنها عادت وفي انتظارك.»
قال أوسكار ممتنًا لكلامها: «ميريدينا.»
على الأرجح لم يكن الأمر سيطول كثيرًا؛ فسيد ميريدينا كان حاد الذهن وكان سيدرك مشاعره قريبًا. وحتى حدوث ذلك، بينما ما زال غير واعٍ بشأنها، فكل ما كان يمكنها فعله بصفتها تابعته هو تحذيره من ذلك. أزاحت ميريدينا مشاعرها الشجية جانبًا، وعادت لحمل سيفها مجددًا، ثم صرحت قائلة:
«أنا آسفة لكوني عبئًا عليك. سوف أمهد طريقًا.» كانت تعلم أنها ستشعر بغيرة جامحة عندما ترى تيناشا مجددًا، ولكنها كانت ضابطة في الجيش؛ فكان عليها الالتزام بواجباتها دون أن تضل بلا مبالاة. إن لم تفعل ذلك فستخذل صديقها القديم ألس.
لوَّحت الجثث المتحركة بسيوفها تجاه ميريدينا، فتقدمت دائسة على درع ساقط تحت قدميها.
كان الحصار حولهما بلا نهاية. وعندما بدأت تضطرب قال أوسكار بنبرة آسفة: «آسف لتسببي لكِ ببعض الإزعاج.»
انبثق وميض عبر الجو.
وبلا صوت، انهار الجنود الموتى الذين كانوا على وشك الهجوم على ميريدينا، ثم سقط كل رفاقهم في المنطقة أرضًا بالطريقة نفسها. نظرت ميريدينا إلى أوسكار باندهاش.
ضربة واحدة بسيفه فلقت الضباب. وبينما حطم الجثث المتثاقلة وقتلهم بلا رحمة، اندفع رأس سيف نحو يده اليسرى الخالية، ولكن رغم أنها كانت عزلاء، شيء ما مزق السيف في اللحظة التي كاد أن يلمس فيها يده.
سألت ميريدينا: «ماذا… كان هذا…؟»
«فلنبقِ هذا الأمر بيننا وحسب، لكني أملك حاجزًا حاميًا يستطيع إبطال مفعول أي هجوم غالبًا. آسف لإقحامك في هذا.»
«ماذا؟» كانت ميريدينا مذهولة، لكنها شعرت بهجوم عدو قادم، فرفعت سيفها لتتعامل معه. وبينما أسرعت وراء سيدها لتلحق به، سمعت صوت أجنحة ضخمة تضرب الهواء من الخلف.
انقشع الضباب في الحال، والتفتت ميريدينا نحو الرياح القوية لعلمها أن شيئًا قد هبط من خلفها، فرأت عينين شديدتي الحمرة تنظران إليها.
فقالت ميريدينا بارتياب: «… تنين؟ حقيقي؟»
علق أوسكار قائلًا: «لقد كبر كثيرًا،هاه…؟ يبدو أن الناس بإمكانهم ركوبه.»
أجاب التنين السحري ردًا على تعليقاتهما بصيحة حادة.
«كل ما تبقى الآن هو سمو الأمير وميريدينا!»
«لا تنظروا بعيدًا!»
تعالت صيحات الغضب من ساحة المعركة في حين كانت تيناشا تصد الهجمات بسيفها، وتنشر سحرها لتبحث في المنطقة.
كانت البحيرة تفيض بالسحر، لكن هذا وحده لم يكن كافيًا لسحر تلك الجثث وتحريكها. كان هناك شخص في مكان ما يتحكم بها بلا شك؛ فكان على تيناشا أن تعرف من هو وبسرعة.
أَيًّا من كان زعيمهم فلا شك أنه كان على دراية بذلك؛ حيث أنه بدا في حركة مستمرة، فكان تحديد موقعه صعبًا.
قطعت تيناشا ذراع جندي ميت كان يهاجم سيلڤيا، فطار العضو المقطوع وسقط في الضباب.
قالت سيلڤيا وهي متفاجئة: «شـ-شكرًا لك!»
ابتسمت تيناشا لها قائلة: «لا عليكِ. قليلًا وحسب.»
بعد ذلك سُمعت صرخة حادة من الأعلى، كما لو كانت استجابة لصوت سيدته. ثم بسط التنين القرمزي جناحيه قابضًا على التيار الهوائي، وهبط بهدوء. كان على ظهره رجل وامرأة، فقفز الرجل من على ظهر التنين قبل أن يلمس الأرض حتى.
نظرت تيناشا إليه ببرود قائلة: «هناك توبيخ في انتظارك.»
فاعتذر قائلًا: «آسف.»
«فليدخل الجميع إلى الحاجز!»
عند سماع هذا الأمر تراجع الجميع إلى الحاجز الأحمر النصف الدائري، وهبط التنين بداخله أيضًا وعلى ظهره ميريدينا. أحكمت الجثث المتحركة الحدود عليهم أكثر، ثم أغمدت تيناشا سيفها وبدأت في ترنيم تعويذة.
«اعترف برغبتي كقانون، أيها المحول الذي ينام في الأرض ويطير في السماء. أنا أتحكم في نيرانك وأستدعيك. اعلم أن أمري سيكون كل معنًا لظهورك.»
ظهرت كرة لهب بين كفي الساحرة، فأخذتها في يدها اليمنى ثم قالت:
«احترق!»
وفي طرفة عين، توهجت النار السحرية بشكل باهر، وصارت الكرة المحترقة موجات من الشعلات. ثم اندفعت ألسنة اللهب بصخب مدوٍ وقوة مروعة في كل الاتجاهات.
وبعد لحظة واحدة التهمت النيران المتموجة حشد الموتى المتحركين، وحولتهم إلى رماد. اكتسحت الصحراء صرخات بلا صوت من العذاب المميت، وهبت رياح ساخنة في الحاجز.
أبعدت سيلڤيا وجهها بشكل غريزي من التأثير، لكن عندما فتحت عينيها لم ترى إلا أرضًا مستوية خارج الحاجز. كل ما بقي من جيش الجثث كان رائحة احتراق منتشرة في الجو.
قالت تيناشا: «أعتقد أن هذا كل شيء. أخيرًا تخلصنا من هذا.» ونفضت الغبار عن يديها. كان الآخرون مذهولين من القوة المطلقة لسحرها بعد مشاهدته عن قرب هكذا.
ترجلت ميريدينا عن التنين، ونظرت إلى تيناشا بخوف. شعرت أنها أخيرًا فهمت لم قال ألس أن تيناشا مرعبة.
أوسكار كان الشخص الوحيد الهادئ. فحص المنطقة ثم صفَّر بخفة، وقال: «اختفى الضباب بالكامل. هذا مذهل.»
ابتلعت النيران الأرض بأكملها، وبدَّدت الضباب الكثيف، والآن صارت المساحة المدمرة سالكة بالكامل. التفت أوسكار للخلف وربت على رأس الساحرة.
ثم لاحظ شيئًا وقال: «تيناشا، نجا أحد الزومبي من النيران.»
على بعد بضعة أمتار، كان يقف عجوز يرتدي رداء السحرة. كان هزيلًا جدًا لدرجة أنه كان يمكن أن يُخلَط بينه وبين هيكل عظمي بسهولة، وكان يحدق في المجموعة بأعين مقعرة.
لاحظته تيناشا وعبست قائلة: «يبدو أنه أنشأ دفاعًا.»
لاحظ العجوز نظرتها إليه، فتحدث بصوت جهوري غير متوقع قائلًا: «مضى وقت طويل. لم أتوقع أن أراك مجددًا خلال حياتي.»
نظر الجميع بدءًا من أوسكار نظرة استفهام إلى تيناشا، لكنها تجاهلتها. ونظرت إلى الرجل بلا مبالاة وهو يتابع قائلًا:
«رؤية جمالك وهذا الزي كاد أن يخدعني للاعتقاد أنني عدت سبعين سنة للوراء. ساحرة القمر اللازوردي، هل تفعلين هذا مجددًا في ذكرى الرجل الذي أحببتِه؟»
صدمت كلمات الرجل الجميع بشدة عدا أوسكار وتيناشا. كانت سيلڤيا مذهولة ومرتعدة، في حين رفع بعض الجنود أيديهم للأعلى بلا سبب.
وخلف أوسكار، قالت ميريدينا بصوت مرتجف: «ساحرة… هل هذا حقيقي؟»
فأجاب أوسكار: «نعم.» وبدا متجهمًا لسبب ما. ومن ناحية تيناشا، فهي لم تكترث لأفعال من وراءها وواجهت الساحر العجوز بابتسامة فاتنة.
ثم قالت: «لقد كبرت كثيرًا. كنت مجرد طفل آنذاك. لم تصبح أصلعًا وحسب، بل ذبلت بالكامل.» فقهقه العجوز.
ثم فرك رأسه التي ليست سوى جلد على عظم الآن، وقال: «كان ينبغي أن أكون ميتًا منذ وقت طويل. ليس الجميع مثلك.»
«لقد أصبحت تشبه سيدك في المظهر واللهجة… إنه مقزز.»
«سيدي الذي قطعتِ رأسه؟ يا له من إطراء.» بسط العجوز الغريب يديه بشكل مثير، فلاحظت تيناشا أن ذلك للتحدي واستلت سيفها ببساطة وخرجت من الحاجز.
«بما أننا التقينا مجددًا، ما رأيك أن أقطع رأسك أنت أيضًا؟ يمكنك أن تركع على ركبتيك وتشكر سيدك على تضحيته بنفسه.» كانت ابتسامة الساحرة جميلة وقاسية بشكل مخيف.
رفعت تيناشا سيفها الرفيع، وبصوت طقطقة التف ضوء أزرق حول النصل.
لكن قبل أن تتقدم خطوة أخرى، تلاشى الساحر العجوز مثل الضباب الذي قد اجتاح المكان منذ دقائق معدودة.
«لستُ قويًا بما يكفي لمواجهتك، لذا سأغادر الآن. ربما يجب عليكِ العودة قريبًا أيضًا، أو قد يكون هذا فقط بعد موت أو اثنين، هممم؟»
اختفى حضوره ببضع ضحكات جشاء، وبعدما تلاشت عمَّ الصمت المكان. كانت تيناشا غارقة في التفكير لفترة، لكن سرعان ما أغمدت سيفها واستدارت.
أخرجت تيناشا لسانها بطريقة طفولية، ثم قالت: «لقد هرب.»
سأل أوسكار: «أتعرفينه؟»
«في الحرب منذ سبعين سنة مضت، كان واحدًا من سحرة دروزا الذين تحكموا في الوحش الشيطاني.»
قال أوكار متفكرًا وهو يضع يده تحت ذقنه: «الوحش الشيطاني…»
عادت تيناشا إلى الحاجز، فخاطبتها سيلڤيا بتردد قائلة: «ام… آنسة تيناشا، هل أنت حقًا ساحرة القمر اللازوردي؟»
فاعترفت تيناشا قائلة: «آسفة لكتمان الأمر. لم أرد أن أخيف أحد.» لم تبقَ أية آثار للقسوة التي انتحلتها بسهولة منذ بضع لحظات، وابتسامتها الحالية كانت تحمل لمسات طفيفة من الوحدة؛ فانقبض قلب سيلڤيا عند رؤية ذلك. وفي الوقت ذاته، شعرت الساحرة بقليل من الخجل لكونها كانت تخاف من الساحرات رغم عدم معرفتها الكثير عنهم.
«اه، أنا…»
قاطعت تيناشا سيلڤيا بطمأنتها قائلة: «لا، لا. الساحرات كائنات مخيفة. لا تهتمي للأمر.» وهزت رأسها. ثم ابتسمت الساحرة لها ابتسامة مشرقة جميلة كما كانت منعزلة نوعًا ما؛ فابتلعت سيلڤيا ما كانت ستقوله.
نظر أوسكار للأعلى وقال: «فلنعد أدراجنا الآن. نحن بحاجة لتجهيز قوات ومعدات.»
أراح قرار ولي العهد الجميع؛ فبقاؤهم في مكانهم سيقود فقط إلى حل الغرائب أكثر.
تفقد أعضاء المجموعة بعضهم، ثم انطلقوا في رحلة العودة. لحسن الحظ كانت الرؤية أفضل الآن.
وضع أوسكار يده على رأس الساحرة التي بجانبه وقال: «الخيول لم تحترق، أليس كذلك؟»
«غالبًا لا…» ابتسمت ابتسامة قلقة. وتثاءب التنين الذي كان صغيرًا الآن وهو جاثم على كتف سيدته.
كانت الخيول حية بالفعل وتنتظر في مكانها، والضباب كان لا يزال كثيفًا في تلك المنطقة. وفي الحال ركب الجميع على ظهور الجياد ليعودوا إلى حصن ينرايد. سار أوسكار وتيناشا جنبًا إلى جنب، ثم سأل أوسكار:
«هل تظنين أن هدفهم هو إحياء الوحش الشيطاني؟»
فأجابت تيناشا: «على الأرجح، نعم. إنه مزعج جدًا.»
تدخل الساحر دون فجأة من خلفهم وقال: «أليس من الممكن أنهم ينشؤون شيئًا آخر؟»
شرحت تيناشا قائلة: «أخشى أنه ليس كذلك. يبدو أن هناك سوء فهم… هم لم يصنعوا الوحش الشيطاني. ستكون نهاية العالم إن استطاع بشر عاديون إنشاء شيء كهذا. على الأغلب، دخلت نواة من نوع ما إلى البحيرة السحرية، وامتصت كل موجة سحر قادمة… وبعد مئات السنين صار هذا الوحش الشيطاني.»
سأل دون بإلحاح: «إذًا كل ما فعلوه هو التحكم في الوحش؟»
«المشكلة كلها تكمن في أنهم لم يستطيعوا التحكم فيه بالكامل. بصراحة، أنا لا أعرف لمَ يريدون إثارة مشكلة.»
بينما كانوا يتحدثون بدأ الضباب يتبدد تدريجيًا. وبعد سيرهم لفترة لاحت أبراج الحصن في الأفق.
لكن حال وصولهم لتلك النقطة، أبطأت تيناشا جوادها وتوقفت.
فسألها أوسكار: «ما الأمر؟»
ترجلت تيناشا وأعطت عنان فرسها لجندي بقربها، وقالت: «تابع السير مع البقية. سوف أعود إلى هناك.»
فسألها بإلحاح: «ما الذي تتحدثين عنه؟» وترجل هو أيضًا واقترب منها.
كان رد الساحرة هادئًا: «أشك أن العدو يريدنا أن ننتهز هذه الفرصة لنتراجع ونستعد، وهو يحاول فك الختم بأسرع ما يمكن. لن أمنحه الوقت لفعل ذلك؛ سأهاجم الآن. كيس العظم ذلك قد يظن أنه هرب ولكني سأمسك به.» ثم رفعت ظهر يدها اليمنى. كانت البلورة في سوار معصمها تشع لونًا أحمرًا قاتمًا كما لو كانت تحمل شعلة مضيئة. صُدم أوسكار، ونظر إلى حاميته بحدة وقال:
«أنت… هل ارتديت ذلك بنية فعل هذا منذ البداية؟ لم يكن هدفك قط أن تذهبي للتحري وحسب.»
ردت تيناشا على الفور: «بالطبع لا.» وخلت عيناها من المشاعر.
أمسك أوسكار بمعصمها الرفيع وقال: «سأذهب أنا أيضًا.»
فصاحت تيناشا قائلة: «ليس مجددًا!» شعرت بغضب عارم، وتجهم وجهها وبدت كما لو أنها أرادت أن تلقن أوسكار درسًا. ثم ارتفعت للأعلى في محاولة منها لتحرير نفسها من يده ونظرت إليه، لكن أوسكار أمسكها بإحكام.
نصحته تيناشا قائلة: «أنت قوي لأبعد الحدود، وأنا أحترمك لرغبتك في فعل كل شيء بمفردك. ولكن بصفتك ملكًا مستقبليًا عليك أن تتعلم استخدام من حولك أكثر قليلًا.» ووضعت يدها على خده كما كانت أم لتفعل، فنظر أوسكار بحب إلى تلك اليد لكن سرعان ما أعاد نظره إلى تيناشا، ولم يستسلم بعد، ثم قال:
«أعرف، وسأنتبه لذلك. لكن لا يمكنني الآن، أنا لا أنوي استخدامك هكذا.»
سألت الساحرة: «أليس هذا هو سبب إحضارك لي من البرج؟»
فأجاب أوسكار: «لا.»
سوغت تيناشا قائلة: «ريج كان سيدعني أذهب.»
«لا أهتم.» أحكم أوسكار قبضته. كان الوحش الشيطاني النائم تحت الأرض شيئًا قد تمكنت تيناشا من ختمه فقط، وحينها كان معها ملك فارساس وجيشه. فكان مستحيلًا أن يتركها أوسكار تحاول مجددًا وحدها، لكن في الوقت ذاته… كان يعلم أن هذا مجرد عذر.
منذ سبعين سنة، قاتلت تيناشا على الأغلب لحماية الآخرين، وقد قالت أنه لم يكن هناك خيار سوى ختمه؛ مما يعني أنها فعلت ذلك للحد من خسارة أكثر للأرواح في أرض المعركة. ولذلك حتى إن تبعها أوسكار إلى هناك، سيكونان يكرران الخطأ ذاته وحسب.
حتى أمام سبب منطقي كهذا، لم يرغب أوسكار في تركها تذهب وحدها.
ثم أصر قائلًا: «هدفهم هو فارساس. لا يمكنني جعلك تتحملين هذه المسؤولية وحدك.»
ردت تيناشا: «لدي أسبابي الخاصة للانخراط في ذلك… أنا حقًا لا أستطيع السماح لك بالذهاب.» وابتسمت للأمير ابتسامة متألمة، وكان تعبيرًا مماثلًا لواحد أظهرته في القلعة.
تطايرت خصلات شعرها اللامعة الطويلة، رغم أنها لم تكن مسحورة. وببطء، أغمضت عينيها سبجيتي اللون لبرهة.
كان يصعب تحديد إن كانت تيناشا تستذكر حدثًا معينًا في الماضي، أم كانت فقط تتفكر في الأزمنة الطويلة التي عاشتها. ثم ابتسمت لأوسكار بلطف وقالت: «مدة عقدنا هي سنة واحدة فقط. رجاءً لا تتردد في إعطائي العمل المزعج.»
«تيناشا…»
ثم أضافت قائلة بنبرة شبه غنائية: «يمكنني حمل أعبائك بكل سهولة.»
علقت كلمات أوسكار في حلقه عند سماع ذلك. كل أعبائه التي حملها طيلة حياته؛ دمه الملكي، وواجباته، ولعنته– لقد عرفت بشأنها كلها وأخبرته أن يدفعها إليها وهي تبتسم. كانت تيناشا تؤكد أنها جميعًا ليست ثقيلة الحمل عليها، وأن على أوسكار أن يستغل ذلك جيدًا.
عينا الساحرة ذات لون الليالي المحاق حدقتا في عيني الأمير.
«أوسكار، لقد أبرمت عقدًا معك، وما دمت حاميتك، أعدك أن أعود إليك بغض النظر عن مكان ذهابي أو ما أفعله. لن أموت قبلك، أقسم بذلك.» وعدها بدا شبيهًا بنذور الزواج.
حدق أوسكار أيضًا في عيني تيناشا، وشعر كما لو أنه ينظر إلى هاوية سحيقة. لقد كان ساذجًا لظنه أنها مجرد فتاة جاهلة. كم من السنين قد رأتها أكثر منه؟ كان من المستحيل تخيلها، ولم يكن لديه أي فرصة للحاق بها الآن. في الحقيقة، كل ما كان واثقًا بشأنه هو أنه لم يكن لديه أمل في تقليل تلك المسافة.
كتم أوسكار تنهيدة بداخله. ثم ترك معصم تيناشا برفق، وقال: «حسنًا. اذهبي.»
ابتسمت تيناشا ابتسامة رقيقة. ثم رفعت يدها اليسرى فصاح التنين الذي على كتفها وحلق في الهواء. كبر حجمه أكثر حتى من السابق، وتمدد حتى صار ينافس حجم ثلاثة منازل صغيرة.
قالت تيناشا: «أتمنى أنك ستثق بي أكثر قليلًا من الآن فصاعدًا. بصرف النظر عن مظهري فأنا لم أُهزم من قبل قط.»
فقال أوسكار مازحًا: «إذًا سأكون أول من يهزمك.»
«… أحتاج للنظر في بعض التدابير المضادة أولًا؛ لذا أمهلني بعض الوقت…» مدد التنين القرمزي رقبته، وصعدت الساحرة الحسناء على ظهره.
رسمت تيناشا وركوبها منظرًا خلابًا كلوحة لحكاية خيالية. فانبهر كل من شاهد المشهد بشكل غريزي، واختلط خوفهم من الساحرات بإعجابهم بتيناشا كشخص. وبينما نظرت ميريدينا إلى تيناشا شعرت بدفء غريب يملأ قلبها.
هبط التنين للأرض قليلًا، ورفرف أمام الجميع للحظة. وعينه اليسرى الضخمة التي بدت متقدة بالنيران حدقت في جمع السحرة والجنود، في حين كانت تيناشا تفحص معداتها.
ثم قال أوسكار: «هاي، عندما تعودين…»
«عندما أعود؟»
«أتريدين أن تتزوجي؟»
«لا! ولا تجعل الأمر يبدو كأنني سأموت!» ردت تيناشا بانفعال كما كانت تفعل دومًا، وكانت تضحك.
ضربت التنين ضربة خفيفة فانطلق نحو البحيرة السحرية مصدرًا سحابة من الغبار. ثم اختفى التنين وفارسته بين الضباب.
-----
كانت دروزا تقع في الشمال الغربي لفارساس. وخلال الحرب كانت دروزا أول المهاجمين؛ ففي ذلك الوقت كانت تعاني من سوء الحصاد ورغبت في الاستحواذ على أراضي جارتها الفسيحة، ومصادرها الطبيعية الوفيرة.
قاتل جيش فارساس ببسالة ضد الغزو المفاجئ، وصدوا قوات العدو بعرض متين لقوتهم العسكرية. وبعد أسبوع واحد بدا أن القتال سينتهي، لكن عندئذ أيقظت دروزا الوحش الشيطاني النائم في البحيرة السحرية وأطلقته على فارساس.
أهلك السلاح السحري العملاق الجيش الفارساسي. استراتيجية غير معهودة كتلك بلغ أثرها كل أنحاء القارة، ولكن قرار استخدام الوحش الشيطاني كان قرارًا اعتباطيًا جرى تنفيذه من قبل مجموعة من السحرة. وفي الواقع لم يستطيعوا التحكم فيه بالكامل، وهكذا سُحق العديد من الدروزيين تحت مخالب الوحش. كما أنه بدا أن البخار الضار الذي أحاط بالوحش سمم التربة، وحول أرض المعركة إلى صحراء جرداء ضبابية لسنين طويلة بعدها.
ارتفع عدد ضحايا الوحش الشيطاني لأكثر من ألفين لكلا الجانبين، ويئس الجميع من قوته الكاسحة، إلا أنه خُتم أخيرًا من قبل الساحرة التي كانت ترافق ملك فارساس.
بعد ذلك قتلت الساحرة أغلب السحرة الذين أطلقوا الوحش، وكل من فرَّ منها لقى حتفه على يد رفقائه الدروزيين.
منذ ذلك الوقت نام الوحش الشيطاني تحت الأرض، وعادت الأرض المغطاة بالضباب إلى السلام أخيرًا، على الأقل بشكل ظاهري.
وبعد مرور سبعة عقود أتت الساحرة ذاتها التي هزمت الوحش إلى هذه الأرض مرة أخرى.
بمجرد أن عاد الساحر العجوز إلى الكهف تحت الأرض، صاح قائلًا: «أسرع وأبطل التعويذة الأخيرة على الختم! لا وقت لدينا!»
فأجاب ساحر شاب في دهشة: «الآن؟ لكن تعويذة التحكم لم تكتمل بعد…»
أصدر الساحر العجوز أمرًا قائلًا: «لا أهتم! ابدؤوا ترنيمة إبطال التعويذة الأخيرة! الساحرة تعرف!»
«تعرف؟!» بدا أن الساحر الأصغر سنًا قد فهم مدى خطورة الوضع، فركض نحو أعماق الكهف. وتبعه العجوز وهو يسعل، ثم تمتم قائلًا:
«… لن أدع الأمر ينتهي هنا.»
بعد الحرب تفككت دروزا إلى عدة دويلات صغيرة. وكان مسقط رأس العجوز ينتمي الآن إلى أكثرها فقرًا. ولذلك السبب كان سيستخدم قوة الوحش الشيطاني لإعادة توحيد دروزا، وتدمير فارساس، وإنقاذ موطنه. وكان سيضحي بحياته وحياة رفاقه لمرات لا تعد في سبيل ذلك الهدف.
«… لم أنتهِ بعد. لقد بدأنا للتو فقط…»
جرَّ الساحر العجوز جسده البالي المتيبس حتى وصل أخيرًا إلى موقع إبطال التعويذة، حيث كان فيه أكثر من عشرة سحرة مجتمعين بالفعل. جميعهم اتحدوا للهدف ذاته، لكن اختلفت الأسباب التي قادتهم إليه.
تحت هذا الكهف مباشرة كان يطفو تشكيل أبيض مزرق من التعاويذ، وكان متشابكًا جدًا لدرجة أنه بالكاد بدا من صنع الإنسان. هذه التعويذة متعددة الشكل بالغة الدقة كانت الختم ذاته الذي أنشأته الساحرة لإنهاء الحرب، وخلفه بداخل الكهف العملاق… كانت تقبع عين مغلقة ضخمة.
كانت العين ذات حواف سوداء، وحجمها الهائل جعل تحديد ماهيتها صعبًا إلا إن شوهدت من مسافة بعيدة. كسا جسد الوحش العملاق فراء فضي طويل؛ وكان أغلبه محجوبًا بسبب الكهف المظلم ولم يمكن تمييزه. الأجزاء الوحيدة التي كانت ظاهرة من الوحش الجسيم كانت تلك المضاءة من الختم، ولكنه بالتأكيد كان بحجم قلعة صغيرة. وعند رؤية الوحش بالكامل كان يشبه ذئبًا ضخمًا من عينيه إلى شكل فمه.
ملأ سحره اللا محدود الهواء مما جعل حضوره غير قابل للتجاهل تقريبًا. كان الوحش النائم غامضًا بشكل مخيف، ولإيقاظ هذا المخلوق المرعب بدأ خمسة سحرة في ترنيم التعويذة بالفعل. تركهم الساحر العجوز لينظر في أسفل الكهف، ثم سأل ساحرًا جاثمًا أمامه: «كم سيستغرق الأمر؟»
أجاب الساحر: «سنحتاج لثلاثة أيام…»
فقال العجوز: «ثلاثة أيام… هذا ما سيستغرقه جيش فارساس للوصول إلى هنا. يجب أن يكون هذا وقتًا كافيًا.»
رد الساحر الجاثم: «عُلم.» ثم سمع صوت ارتطام شيء بالأرض، فنظر بارتباك تجاه مصدر الصوت.
فإذا به يرى رأس الساحر العجوز الهزيل المقطوعة توًا ملقاة على الأرض.
«مـ-ماذ…؟» لم يكد الشاب المندهش أن يتفوه بكلمة حتى أحس بشيء بارد في مؤخرة عنقه، ومات قبل حتى أن يدرك ما الذي حدث.
انتهت المأساة في طرفة عين.
لاحظ ساحر يقف في ظل صخرة، ويركز في تعويذته بعينين مغلقتين، أنه لم يعد يسمع ترنيم رفاقه السحرة. فنظر إلى حيث كانوا لشعوره بشيء مريب… وانفتح فمه من الرعب.
بركة من الدماء كانت تنتشر في الأرض، وكان رفاقه منكبين على وجوههم في البركة الحمراء. رأس رئيسهم العجوز كانت مقطوعة على الأرض، ووجهه كان ثابتًا على تعبير مرتاب.
«ما…؟»
ضرب الساحر الذي كان واقفًا في ظل صخرة بيده على فمه. أطبقت رائحة الدم الكريهة على أنفه، وكان المنظر بشعًا لدرجة أنه شعر بالدوار.
وما أرعبه أكثر من أي شيء آخر كان منظر الفتاة التي تقف وسط بحر الدماء، وكانت تمسك سيفًا مصبوغًا بالأحمر القاني. ابتسمت الفتاة المروعة عندما لمحته وقالت بابتهاج:
«أظن أنني غفلت عن واحد.» فتملَّك الرجل رعب مُشل، وانهار عاجزًا عن الكلام.
ثم ببساطة اقتربت منه الفتاة ضئيلة الحجم لكن مع ذلك المهيمنة وقالت: «ما المشكلة؟ ألا تريد فك الختم؟»
اومأ الرجل وهو يتلعثم. فاتسعت عينا الفتاة المظلمتان، وابتسمت.
«إذًا سأفتحه لك.» لوحت بسيفها نحو الجدار لتزيل الدم العالق به، ثم أغمدته، بعدها رفعت يدها تجاه الختم. أكثر ما كان بارزًا وسط الرائحة القوية للدماء العفنة هو أن الفتاة الغامضة بدت مضاءة من الخلف بضوء القمر.
«اُشدُ أيها الإنذار القديم، فلتجعل السلاسل المصنوعة سالفًا تنحلُّ تحت أمري…» كانت تعويذة رنانة وواضحة.
بينما كان الختم نشطًا لم يقدر أحد على الاقتراب من الوحش الشيطاني، وكان هذا ينطبق أيضًا على الساحرة التي ألقت التعويذة منذ البداية. رفعت يدها اليمنى وفكت الختم المعقد. وبعيدًا على الجانب حدق إليها الساحر ووجهه شاحب للغاية.
كان التشكيل مصنوعًا من سبع تعاويذ أصغر، وكانت تنحل واحدة تلو الأخرى بيدي الساحرة. وبعد دقائق معدودة فقط تلاشى رسم التعويذة.
وببطء شديد بدأت عينا الوحش في الانفتاح.
-----
بعد مرور فريق التحري عبر بوابة حصن ينرايد سرعان ما جعلت هزة مفاجئة الأرض تتمايل من تحت أقدامهم.
صهلت الجياد باضطراب من الخوف، ونظر ركابها خلفهم وسمعوا دويًّا عنيفًا آتيًا من جهة البحيرة السحرية. أشار صوت كهذا إلى انخساف أو انهيار. شحب وجه سيلڤيا، ثم قالت:
«الآن، أكان هذا… الوحش الشيطاني؟» وبدت خائفة حتى من أن تسأل.
بدا على أتباع أوسكار الذعر لكنه ظل صامتًا، ونظر إلى الصحراء بنظرة حادة لبرهة، ثم هز رأسه بخفة وأمرهم قائلًا: «فلندخل. لا نريد أن تهرب الخيول.»
سألت سيلڤيا: «لكن ماذا عن الآنسة تيناشا…؟»
فطمأنها أوسكار قائلًا: «أخبرتنا أنها ستكون بخير. ستتولى الأمر.»
حتمًا لم يعرف أي منهم بمن فيهم أوسكار عن هيئة تيناشا الحقيقية؛ أقوى ساحرة في القارة- تجسيد للقوة الطاغية.
بعد العصر المظلم الذي اجتاح البلاد لقرون من الزمان، بدأت الحقبة الحالية: عصر الساحرات. وأُطلق عليه هذا الاسم لأن تيناشا وأقرانها الساحرات استخدمن قواهن لتحريك مسار التاريخ.
إذا أُغضبت ساحرة فكان بإمكانها تدمير دولة بين عشية وضحاها. كان هذا شيئًا معروفًا حتى وسط الأطفال الصغار، ولكن حتى الآن لم يكن أوسكار يعد تيناشا واحدة من هذا النوع، ولكنه كان يعلم أنه سيدرك ذلك يومًا ما. كان هذا ما يعنيه أن تبرم عقدًا مع ساحرة القمر اللازوردي.
بينما تابع الآخرون السير، ذهب أوسكار نحو البوابة وترجل عن فرسه. لاحظه دون واستدار لينظر، ثم قال:
«ما الأمر يا سمو الأمير؟»
المنطقة المحاذية لبوابات الحصن من الخارج كانت مستوية ومقفرة؛ فقد تم قطع أي شجرة قريبة من البوابات لضمان نطاق رؤية بلا عوائق عند المراقبة من واجهة القلعة.
نظر أوسكار سريعًا من حوله ثم استل أكاشيا فجأة، وبحركة واحدة دهس الأرض وتقدم عدة خطوات في لحظة. واخترق نصل سلاحه الشامخ الهواء بسرعة مرعبة.
بدا أوسكار أمام الجميع كأنه يقطع لا شيء، لكن فجأة تطاير من الفراغ جزء من قماش رمادي قاتم ملطخ بالدم. فهم دون الذي كان يشاهد على الفور فبدا مصدومًا. شق أكاشيا حاجزًا غير مرئي فكشف عن رداء الساحر المختبأ بداخله.
سأل أوسكار: «من أنت؟ هل أنت مع ذلك الساحر العجوز أيضًا؟»
فقال الشاب: «… اللعنة. كنت أعرف أن لديك حواسًّا قوية ولكن لم أتوقع هذا.» وكان ينظر إلى ردائه الممزق ويضحك. كان وجهه فتيًّا وشعره بني فاتح اللون، وكانت عينيه ذات اللون ذاته ملأى بالقلق. وبعد النظر إليه عن قرب تذكر أوسكار شيئًا.
«أنت الذي كان في المهرجان، ألست كذلك؟ إذًا كنت تتبعنا منذ انفصالنا عن تيناشا. هل كنت تراقبها طوال الوقت؟»
«بالطبع لا، كانت ستمسك بي في الحال. هي في الحقيقة تحاول تعقبي.» أوضح تعليق الرجل أنه كان على دراية أن تيناشا كانت تبحث عنه. شخص قادر على ملاحظة أفعال ساحرة والفرار منها لم يكن بمجرد ساحر عادي.
عدَّل أوسكار اتزانه بسرعة غير ملحوظة واتخذ وضعية أكثر صلابة.
ابتسم الرجل ابتسامة متألمة، وهو يمسك بطنه وقال: «اهدأ. أردت فقط أن أعطيك نصيحة.»
«نصيحة؟»
«أجل. إنه شيء تتوق حاميتك لمعرفته. سأكون ممتنًا لك إن أوصلت الرسالة. أنا واثق أنها ستُسَر بها.»
رد أوسكار بسرعة: «أو على الأرجح ستغضب مني وحسب. إن كانت تريد معرفة شيء فهي قادرة تمامًا على إيجاده بنفسها.» فتصلبت ابتسامة الرجل، وبدا على وشك قول شيء لكنه غير رأيه بوضوح وتنهد بدلًا من ذلك، ثم قال:
«إنه حقًا… مزعج جدًا أن كليكما هكذا. أنتما أذكى بكثير من أن استخدم المداهنة معكما؛ لذلك اضطر دائمًا للجوء لأساليب غير مباشرة للهجوم.»
سأله أوسكار بإصرار: «توقف عن المزاح. هل أنت من قتل ساحرنا؟»
«كل ما فعلته كان إخباره أن يتجنب التحقيقات، وهو من قرر كيف يفعل ذلك. دوري دومًا هو أن أقول للشخص ما الذي يفعله، كيف سيفعله فهو عائد إليه.»
«أنت حقًا تراوغ في الكلام. هل تعني أنك لست مع سحرة دروزا؟»
كان هذا الرجل ساحرًا بالتأكيد، وكان يبعث هالة غير مريحة. تيناشا قد قالت أن الرجل الذي رأته في المهرجان كان يخفي طاقة كبيرة من السحر؛ ربما هذا كان السبب.
«أنا لا أنتمي لأي دولة، ولأكون دقيقًا لست عدوك أيضًا. لدي فقط عمل مع الساحرة.»
«فهمت. إذًا لديك حساب لتسويته؟ في هذه الحالة، مُت هنا.» هاجم أوسكار الرجل قبل أن ينهي جملته حتى، وصار سيفه الذي يستطيع اختراق كل الحواجز السحرية مصوبًا نحو الساحر ذي الشعر البني.
لكن النصل لم يصب هدفه، واصطدم بصخرة ظهرت فجأة من العدم، فارتد. وبينما اتسعت عينا أوسكار من الدهشة، حاك خصمه تعويذة انتقال، وقبل ثانية من أن تصله تعويذة الأسر الخاصة بدون، اختفى الرجل.
كزَّ دون على أسنانه من الغيظ لإفلاته الساحر المريب في اللحظة الأخيرة، وقال: «آسف جدًا يا سمو الأمير… لم أستطع إمساكه.»
«لا، لا تهتم بالأمر. ما الأمر مع هذه الصخرة؟ من أين أتت؟» كان هناك حجر كبير بحجم قطة عند قدم أوسكار، وبدا كأنها تكونت من العدم لصد أكاشيا.
أوضح دون بتعبير ساخر على وجهه قائلًا: «لقد نقلها من حيث ما كانت سابقًا. إنها حركة سريعة البديهة للغاية.»
أكاشيا كان يمكنه إزالة أي سحر ولكن من ناحية الأشياء المادية العادية فقد كان أقوى بقليل فقط من السيف العادي. شخص قد علِم ذلك واستطاع التكيف معه كان خصمًا مخادعًا حقًا.
بعد أن تحقق أوسكار أن الرجل قد غادر بالفعل، نفض الدم عن أكاشيا وقال: «كنت أنوي أن أقتله…»
طالما أن هدفه كان تيناشا أراده أوسكار أن يختفي. على أقل تقدير فكر أوسكار أنه لا شك أنه استطاع إيقافه بينما كانت تيناشا تقاتل الوحش الشيطاني.
ولكن كل ما كان بوسعه هو تسديد ضربة واحدة، وبالنظر لإحساسه بالقطع فقد علم أوسكار أنه لم يصبه بجرح مميت، ولكن لم يكن مجرد خدش أيضًا.
هز دون رأسه وقال: «حتى إن عالج هذا الجرح فلن يقدر على القيام بأي حركة لفترة.»
قطع أوسكار عهدًا قائلًا: «إذًا لقد نجحت في إعاقته. في المرة القادمة سأقضي عليه.»
تموج اهتزاز آخر في الأرض، فنظر أوسكار تجاه البحيرة السحرية. كان الضباب قد غلف المنطقة مثل شرنقة عملاقة، وكانت ساحرته في مكان ما داخلها.
-----
وسط غيمة من الدخان طفت تيناشا في الهواء ونظرت للأسفل.
سببت قوة استيقاظ الوحش الشيطاني انهيارًا أرضيًا عنيفًا. وعلى الأرجح كان الساحر الناجي وإخوته الموتى مدفونين هناك الآن .
نادت تيناشا تنينها الذي كان يحوم في السماء قائلة: «نارك، سيكون المكان خطرًا إلى أن ينتهي الأمر لذا ابق بعيدًا.»
أنصت التنين لأمر سيدته، واتجه نحو سحابة بعيدة من الغبار والضباب.
كانت الحصى على الأرض تزول تدريجيًا. وفي منتصف البحيرة السحرية رفع ذئب فضي ضخم رأسه ونظر بحدة إلى تيناشا. كان هناك حجر أحمر مغروس في جبهته المكسوة بالفراء الفضي، ولمعت عيناه بالضغينة وهو يحدق في الساحرة الصغيرة في السماء.
ابتسمت تيناشا بابتهاج وقالت: «مضى سبعون عامًا. هل نمت جيدًا؟»
أول لقاء بين الاثنين منذ الحرب كان حتمًا سيودي بحياة واحد منهما أو الآخر، ولا شك أن الوحش الشيطاني قد أدرك هذا كما فعلت تيناشا. بدأ فراؤه الفضي بإطلاق وهج خافت استعدادًا للمعركة، ومقدار السحر الخالص لديه ربما قد ضاهى ما لدى رفيقات تيناشا الساحرات.
قالت تيناشا: «لكن قوة الساحر لا تُقاس حسب كمية سحره فقط.» ورفعت يدها اليمنى، فظهرت كرة ضوئية فوقها استجابة لحركتها.
تمددت الكرة المشعة بسرعة وبدأت في إصدار ضوضاء تصم الأذن، وانبعث السنى في شعيرات طويلة التفت حول الكرة المتوهجة. ردًا على ذلك أطلق الوحش الشيطاني عواءً مدويًّا.
تغلغل الخطر في كل مكان ممكن. فتح الوحش الشيطاني فمه وأطلق موجة صادمة قوية، فقفزت تيناشا للجانب تجنبًا لضربة الوحش الوقائية، وفي الحال قذفت الكرة الضوئية على فم خصمها وهو لايزال مفتوحًا.
ومباشرة قبل أن تصل الكرة إلى فم المخلوق، خفض رأسه بسرعة، فارتطم الضوء الأبيض بجبهته، وبطريقة ما امتص فراؤه الفضي الطويل الكرة وسطع لنشره للهجمة.
تمتمت تيناشا قائلة: «حقًا، ما مدى انتفاش هذا الشيء…؟»
أحد الأسباب التي جعلت الأمر صعبًا لتلك الدرجة حين مواجهتها للوحش الشيطاني منذ سبعين سنة كان مقاومته العالية للسحر. أي شيء عدا هجوم عاتٍ لا يصيبه سوى بخدوش. ولو كانت استخدمت أي هجوم قوي بما يكفي لدحر دفاع لا يقهر كهذا لما نجا الجنود الذين كانوا مجتمعين هناك؛ لذلك السبب قررت أن تختمه.
قالت تيناشا متذمرة: «علمت أنه سيكون كذلك. لكن هذا حقًا مراوغ.» حاول الوحش الشيطاني سحقها أرضًا بمخالبه الحادة، وبالكاد تجنبتها. وبينما حلقت تيناشا في الهواء هبطت نحو قدم الوحش، وسحبت أسطوانة كانت مربوطة بساقها ونزعت غطاءها الصغير، فتدحرجت كرة حمراء على كفها، ثم ألقت تعويذة عليها.
«اكبر بالكامل، يا تعريفي…»
أتت ضربة ثانية بسرعة من مخالب الذئب الجبار، وبينما قفزت تيناشا عن الأرض لتتفادى هلاكها رمت الكرة الحمراء المشبعة بالتعويذة على أرجل الوحش الخلفية. ثقبت الكرة فراء الوحش الفضي تمامًا كالسكين، وشقت طريقها عميقًا حتى انغمرت بداخل اللحم تحت وبر الوحش. وبعد دقائق انفجرت قدمه وتناثر الدم واللحم.
عواؤه المتألم اخترق الهواء. ثم بحث عن تيناشا بأعين شديدة السخط، فوجد عدوته واقفة في منتصف البحيرة السحرية. فتح الذئب العملاق فمه على أمل أن يمزقها إربًا.
«اوه، لا، لا تفعل.»
عندما لاح بلعوم الوحش الضخم، نصبت تيناشا حاجزًا دفاعيًا لتصدي الهجوم. ثم طفت للأعلى مجددًا ونظرت إلى ساق خصمها الخلفية الممزقة، ورأت أن اللحم المقطع قد بدأ يلتئم بالفعل، ونما الفراء الفضي حول الجرح الملتئم للتو.
«سبعين سنة لم تكن كافية لإبطاء تعافيك.» مدحته تيناشا باستهزاء، ثم أخرجت كرة أخرى من الأسطوانة، وتشقلبت في الهواء واستهدفت أرجل الوحش الأمامية هذه المرة، فانفطر المكان المستهدف بصوت مكتوم.
«لو لم تكن ساحرة القمر اللازوردي مع الملك ريجيوس منذ سبعين سنة لربما أهلك الوحش الشيطاني كل شيء وصولًا إلى مدينة القلعة.»
أغلب العلماء وافقوا الرأي مع هذه الفرضية المطروحة في كتاب تاريخي مشهور.
فيما يتعلق بخصائص الوحش الشيطاني؛ فقد امتلك سطحًا خارجيًا مقاومًا للسحر، إضافة إلى جسمه الجسيم الموهوب بطاقة جسدية لا تنضب، وقوة عضلية تدك الغابات، ومرونة مدهشة. قدرات كهذه كانت أكبر من أن يأمل البشر مكافحتها، وهي ما سمحت للوحش بالمرور عبر عشرات الآلاف من الجنود.
حتى الدول التي ظلت محايدة أثناء غزو دروزا لفارساس كانت في حالة اضطراب، وتدافعت لاتخاذ أي إجراء في استطاعتها للتصدي لذلك الكابوس المتحرك.
في النهاية كان قلقها بلا داعٍ؛ ساحرة في خدمة ملك فارساس ظهرت في ساحة المعركة وختمت الوحش بعد نصف يوم فقط من ظهوره. وبعد إتمامها لعملها اختفت الساحرة من فارساس.
ربما لم تختم الوحش الهائج لأجل فارساس فقط بل لسلامة كل البلدان الأخرى أيضًا. لقد أثبتت هذه الواقعة للناس مدى هيبة قوة الساحرات مرة أخرى.
مضت سبعون سنة، وها قد ظهرت الساحرة ذاتها مجددًا لصالح حامل عقد آخر لتقاتل الوحش الشيطاني.
«اووه، كان هذا وشيكًا.»
لمست مخالب المخلوق شعر تيناشا الأسود. كلاهما كانا يتبادلان وابلًا من الضربات المميتة لفترة، حتى أن تيناشا استخدمت سبعًا من الكرات المتفجرة، وفي النهاية بدأ فراء الوحش الفضي في امتصاص الضربات فسببت مجرد موجات في فرائه وكأن شيئًا لم يكن.
وعلى النقيض بدأت تيناشا تنهج من إجهاد الطيران في الأرجاء بلا وقت للراحة. قفزت للأعلى لتتفادى ضربة أخرى من مخالبه، ثم نظرت إلى الوحش من الأعلى مرة أخرى.
«لم أنوِ أن أتعب بهذه السرعة… لكن لا يمكنني فعل شيء حيال قدرة تحملي.»
كان هناك حدود لجسد تيناشا النحيف حتى إن كانت ساحرة. تجمع العرق في قطرات صغيرة على جبهتها ورقبتها، وكان شعرها يلتصق بجلدها، فأزاحته وراء كتفها وتمتمت قائلة بشكل مستنكر للذات: «الاختبار الحقيقي يبدأ الآن. هل سنكرر ما حدث في المرة السابقة؟»
مهما كان مآل الأمور، كان حتمًا على أحدهما أن يفنى.
أخذت تيناشا نفسًا عميقًا وبدأت ترنم تعويذة أسهل: «ارتفع. القفص الذي قيدك لا يزال في الظلام. ما تراه هي هذه الأصفاد السبعة وحسب.»
واستجابة لها، انبثقت الكرات الحمراء المغروسة في لحم المخلوق منه وبدأت تتوهج، فعوى الوحش من الألم، وتدفق الضوء للخارج من بقع مختلفة من جسمه.
«جهالة صافية لا تبحث عن معنى. نم في قفص الحماقة الذي رفضته.»
تحول الضوء السحري المنبثق من السبع كرات إلى خيوط لا تُعد، والتفت حول بعضها مطوِّقة الوحش وبدأت تتناسج مكونة تعويذة ضخمة. ومع أن الذئب الهائل كافح للفرار إلا أن التشكيل الشبيه بالشبكة تضاعف بسلاسة حول جسده العملاق ولم يتوقف.
عندما اكتملت التعويذة وقُيد الوحش، أنهت تيناشا الترنيمة والتقطت أنفاسها.
«آسفة، ولكن عليك أن تموت هذه المرة. لن تجني شيئًا من بقائك هنا.»
ظهر الوحش الشاهق للعالم كمخلوق سحري، وتم إيقاظه ليعمل كأداة في الحرب وحسب. حياته كانت مشوهة للغاية، وصار وجودًا لا يمكن تحمله. نظرت تيناشا للوحش نظرة شفقة؛ هو لم يتمنَ لنفسه أن يكون هكذا. وبعدها بدأت ترنم التعويذة التي سوف تقتله أخيرًا.
«اعترف برغبتي كقانون، أيها الكاتم الذي يملأ كل مكان. بلا كلماتي لا قدرة لديك. فليكن ضوء الموت التعريف…»
ظهر نسَق عملاق مكون من الضوء فوق رأس تيناشا. كان نقش التعويذة الدائري يدور ببطء، وبدأ في امتصاص السحر من البحيرة السحرية أسفله، فتكتلت كمية مهولة من الطاقة فوق تيناشا.
بينما كان الضوء يندفع إلى التشكيل لاحظ الوحش ونظر للأعلى. التهبت عيناه المحمرتان بالكراهية ونظر إلى عيني الساحرة المظلمتين، ثم أصدر زمجرة خافتة من فمه المكمم هزت الأرض.
التعطش للدماء والفراغ؛ تجسيدا هاذان الإحساسان المتغايران حدَّقا إلى بعضهما بحدة.
طالت ثوان من السكون وأشعرت كأنها أبدية… ثم فجأة اندفع الوحش مُخترقًا لقيوده، وانقض على الساحرة.
«…!»
فخلعت تيناشا عباءتها على الفور وألقتها على الأنياب البيضاء الجائعة. امتلأت العباءة المنسوجة بالسحر بالهواء وصارت منتفخة، وتم تفعيل نمط الدفاع المطمور في القماش فشيد جدارًا من الضوء. وفي الحال اخترقت أسنان الوحش الحاجز بلا خوف، وأغلق فمه الضخم على تيناشا وأطبق عليها قبل أن تتمكن من الفرار، ثم غرس أسنانه عميقًا في بطنها النحيفة؛ فصارت محصورة في فكه.
«ااااه!»
صدمة وألم مبرح عقف جسد تيناشا كالقوس. كتمت بقية الوجع ولكن في المقابل صار عقلها فارغًا. وفتح الوحش فمه ليعضها مجددًا.
بدأت تيناشا في فقدان الوعي إلا أنها أبت أن تغيب عن وعيها؛ فإن حدث ذلك ستختفي التعويذة التي أنشأتها. إن لم تتماسك الآن… فسيذهب كل شيء أدراج الرياح.
انفتح فم الوحش على اتساعه، وجمعت تيناشا كل القوة في جسدها لتركل أسنانه، فهشمت تعويذة توهجت عند أصابع قدمها أنيابه مرمرية اللون، ثم استغلت قوة دفع الارتداد لتهرب من فكه.
أمسكت تيناشا ببطنها بيدها اليسرى، حيث بدأ الدم يسيل بغزارة من جرح بليغ.
ثم قالت: «هذه هي النهاية.» ومدت ذراعها الأيمن فوق رأسها، فبدأ ضوء براق يتجمع في كفها. ثم كبرت التعويذة التي أطلقتها حتى صارت بحجم البحيرة وابتلعت الوحش الفضي العملاق.
دمدمت الأرض بدوي صاخب، وانبثق وميض هائل من البحيرة السحرية؛ كان شديد الكثافة لدرجة أنه لم يُرَ من حصن ينرايد وحسب بل من مدينة قلعة دروزا القديمة أيضًا.
شقَّ إشعاع ضوئي أبيض السماء، وارتجت المدن البعيدة وتزلزلت، ودوى صوت عواء غير بشري من الحقد في الجو، ورنَّ في آذان كل من سمعه.
ورغم وقوع حدث غريب كهذا لم يجرؤ أي من سكان دروزا القديمة على الاقتراب من البحيرة السحرية؛ فمع أنها كانت حاليًا منطقة لا تتبع لأية دولة إلا أنها كانت لا تزال موقعًا للعديد من الذكريات الأليمة.
وبهذا يكون إرث حرب قديمة قد اندثر في السر.
-----
كانت الشمس تغرب ببطء، والرياح في الحصن كانت جافة.
ذهبت ميريدينا إلى أسوار الحصن، وهناك وجدت أوسكار لا يزال ينتظر.
فسألته ميريدينا بشيء من التردد: «سمو الأمير، ألا يجب أن نعود إلى القلعة…؟»
كان أوسكار ينظر إلى الصحراء القاصية، لكنه التفت إلى ميريدينا. لقد مضت ساعتان منذ أن رأوا الضوء الغريب من البحيرة السحرية، وظلَّ أوسكار واقفًا عند الأسوار طيلة هذا الوقت. أوشك الظلام أن يحل، وكانوا ينيرون المصابيح في أرجاء الحصن.
هز أوسكار رأسه قائلًا: «لا، سأنتظر أكثر قليلًا.»
بدا أن ميريدينا تود قول شيء لكنها سكتت عنه وغادرت. وعاد أوسكار للنظر إلى الأرض المقفرة.
… في الواقع لقد فكر في الذهاب لتفقد الوضع هناك عدة مرات، ولكن في النهاية لم يستطع دفع نفسه لفعل ذلك.
بصفته حامل العقد، جزء من وظيفته كان يشمل الثقة بحاميته الساحرة. هو لم يجلب معه مجرد فتاة عاجزة أسيرة في برج، بل كانت تجسيدًا لقوة قاهرة؛ واحدة قد وقفت في عتمات التاريخ. كان يدرك ذلك بما يكفي لأن لا يشبهها بشيء أقل.
«ريج كان سيدعني أذهب.»
كلمات تيناشا كانت تُذكِّر بأيام من الماضي الغابر والتي لم يكن أوسكار يعلم شيئًا عنها.
«جد والدي، هاه…؟»
هل كانت تحبه؟ لم يسبق لأوسكار رؤيته حتى. فكر في أن يسأل تيناشا إن كانت قد قابلت جد والده مرة أخرى… وكما توقع، ابتسم ابتسامة متألمة لكونه كان يتصرف منذ الآن كأن تيناشا لن تعود.
… ما زال هناك عشرة أشهر متبقية حتى انتهاء العقد؛ فكان لدى أوسكار متسع من الوقت ليسألها.
نظر إلى الأعلى فلمح ظلًّا لشيء بعيد وكان يقترب بسرعة، وأدرك أنه تنين تيناشا. كان يرفرف بجناحيه الكبيرين وهو يدنو من الحصن، فتنهد أوسكار تنهيدة ارتياح بشكل لا شعوري. بدا أن التنين كان قادمًا نحو أوسكار مباشرة، ولم يتريث إلا عندما صار فوق رأسه تمامًا.
لم يتمكن أوسكار من رؤية ظهر التنين ولكنه نادى قائلًا: «تيناشا؟ كيف سار الأمر؟» هو لم يشك في أنها قد انتصرت، لكن لم يسمع ردًا من فوق المخلوق المجنح.
فناداها: «تيناشا؟» وفجأة تملَّك أوسكار القلق، فقفز إلى ظهر التنين، وحافظ على توازنه، ثم رأى المشهد وأُصيب بالذعر.
الراقدة هناك كانت ساحرته وهي مغطاة بالدم.
جف الدم في وجه أوسكار في الحال. ثم حمل تيناشا، ولم يبعد عينيه عنها وهو يصيح قائلًا: «أحتاج المساعدة! استدعوا ساحرًا!»
«سمو الأمير؟ ماذا حدث؟!» أتت ميريدينا التي كانت تنتظر بالجوار مسرعة.
رأى أوسكار سيلڤيا خلفها فناداها: «سيلڤيا! إنها مصابة!»
كان جسم تيناشا بأكمله مغلفًّا بالدماء ولكن الأسوأ كان معدتها. وكانت ملابسها ممزقة عند المنتصف، وأجزاء صغيرة مما بدا أنها لحم كانت ملتصقة بها هنا وهناك. كانت تيناشا تتنفس لكن كم من الوقت ستتمكن من الصمود في وضعها الحالي، كان محل تساؤل. وضعها أوسكار أرضًا، فصرخت سيلڤيا عندما رأتها ثم صاحت قائلة:
«أ-أحضرها إلى غرفتي! سأعالجها على الفور! ميريدينا، أحضري بعض الضمادات وماءً ساخن!»
«عُلم! سمو الأمير، اجلبها إلى تلك الغرفة!»
أثارت الامرأتان الجلبة في الحصن بأكمله وهما تهتفان بالاتجاهات وتركضان. وانطلق أوسكار بأسرع ما أمكنه وهو يحمل الساحرة بين ذراعيه. وقلَّص التنين حجمه وتبعهم.
بشكل مفاجئ لم تستغرق عملية معالجة تيناشا وقتًا طويلًا لتلك الدرجة. خرجت سيلڤيا من الغرفة ومسحت يديها، ثم انحنت بأدب لأوسكار الذي كان ينتظر في الخارج، وقالت:
«لقد فحصتها بعناية. لكن لم يكن لديها أي جروح خطيرة، ولكني عالجت الجروح الصغيرة…»
«لا جروح؟ ماذا عن معدتها؟»
«يبدو أن هذا قد تعافى من تلقاء نفسه، مع أنني لا أعلم كيف هو الوضع من الداخل…»
قال أوسكار: «فهمت… شكرًا لك.» وارتخى جسده بالكامل لشعوره بالارتياح.
ابتسمت سيلڤيا لتعبير الأمير الممتن، وقالت: «بسبب أنها نزفت كثيرًا ظننت أنها كانت إصابة خطيرة لن تُشفى بالكامل. من الجيد أنها لم تكن كذلك. لقد أزلت الدم عن جسمها، ووضعت ملابسها الممزقة والمعدات الأخرى جانبًا.»
فقال أوسكار بإيماءة: «أحسنتِ.» ثم وقف التنين نارك على كتفه وكان يحمل بلورة حمراء كبيرة في فمه، فربت الأمير على رأسه.
سأل أوسكار بتلهف: «هل يمكنني الدخول؟»
«تفضل بالدخول، لكني لا أظن أنها ستستيقظ قبل أن تنتهي من معالجة سحرها.» انحنت سيلڤيا لأوسكار وهو يمر بجانبها ليدخل الغرفة.
كانت تيناشا نائمة على السرير، وعيناها مغلقتان، وتظهر تعبيرًا مرتاح البال. فحصها أوسكار ليتأكد أنها تتنفس، ووضع يده على البطانية مكان بطنها ليتيقن أنها بخير أيضًا، ولم يتنفس إلا بعدما حصل على تأكيد بشأن الاثنين.
ثم اعترف قائلًا: «لقد… لقد أقلقتِني حقًا.» ومد يده ليمررها على خدها، الذي كان دافئًا وصلدًا.
في النهاية قضى أوسكار الليلة في الحصن. من بين فريق التحري عادت ميريدينا وغالبية الجنود الآخرين إلى القلعة قبل الأمير، وبقي جنديان حارسان بجانب سيلڤيا ودون والسحرة الآخرون في حالة إن ساء وضع تيناشا. طلب منهم أوسكار البقاء لتردده في نقل الساحرة المصابة بشدة.
مضت الليلة بسلام. وبحلول ظهر اليوم التالي كان أوسكار يعمل في حجرة في الحصن بينما ينتظر تيناشا لتتعافى. كان دون يقوم بدورية حراسة للمكان، وحاليًا كان يسلم تقريره.
«لم يكن هناك أثر لذلك الساحر الليلة الماضية. لقد عززت الحراسة في الحصن، لكن هذا لا يزال عدوًّا غير مألوف بالكامل...»
«هذا كافٍ في الوقت الحالي، طالما نمنعه من الاقتراب إلى أن تتعافى تيناشا. يمكننا مناقشة الخطوة التالية معها عندما تستيقظ.»
بدا أن الساحر المريب يعلم عدة أشياء بشأن تيناشا لذا يجب أن تكون على علم بالأمر. في الوقت الحاضر حمايتها كانت الأولوية.
كان أوسكار يفكر إن كان عليه الذهاب لتفقدها مرة أخرى، وعندئذ سمع صرخة قادمة من غرفة تيناشا.
فقال أوسكار: «ماذا؟!» وقام واقفًا.
لم يكن صوت الساحرة، فتوقع أوسكار هجومًا ما وأسرع إلى هناك. سيلڤيا كانت تقف عند مدخل الغرفة ووجها محمر لسبب ما.
«ما الأمر؟!»
«اه، سمو الأمير… لا، أنا آسفة. لا شيء. رجاءً انتظر قليلًا.» بدت سيلڤيا مرتبكة بغرابة وسدت الباب.
شعر أوسكار بالريبة، فأزاحها جانبًا وقال: «سأدخل.»
«سمو الأمير! انتظر!» نادته لتوقفه لكنه تجاهلها ودخل، وإذا به يفاجئ بمنظر يربك حواسه، فتجمد في مكانه.
كانت تيناشا جالسة على السرير نصف عارية. لكن هذا لم يكن الجزء الصادم. بدا أنه خلال الليل طال شعرها الأسود بما يكفي ليلمس الأرض، وافترشت خصلات شعرها حبرية اللون في كل أنحاء الغرفة.
تيناشا لاحظت أوسكار فسحبت الغطاء عليها. ابتسمت بتكلف وبدت مختلفة تمامًا عن الفتاة التي عرفها، فكانت تبدو مقاربة تمامًا للعشرين من العمر الآن.
ثم أمسكت تيناشا بالوسادة التي خلفها، وهي تنظر شزرًا إلى الأمير. «لا تدخل حتى أرتدي ملابسي!»
تفادى أوسكار الوسادة المقذوفة وغادر بلا كلمة، وأغلق الباب من ورائه. تثاءب نارك غير مبالٍ بما يحدث وهو جاثم على كتف أوسكار.
«ما هذا بجدية…؟»
تمتمت سيلڤيا ويدها على وجهها: «لهذا أخبرتك أن تنتظر…»
خرجت تيناشا بوجه عبوس مرتدية ملابس جديدة استعارتها من سيلڤيا، وكانت تجر شعرها الطويل وراءها.
كانت لا تزال ذات جمال أخَّاذ كما كانت دائمًا، لكن بما أنها بدت أكبر ببضع سنوات الآن فقد اكتسبت هدوءًا جذابًا وجاذبية جنسية.
أهداب عينيها الطويلة كانت تجذب الانتباه، وأعطت الساحرة مظهرًا حزينًا. وحس الأبدية في عينيها كان لغزًا في حد ذاته؛ يأسر كل من نظر إليها ويسلبه الحس بالوقت. نظر أوسكار إليها بتعجب، وحدَّق في عينيها وهو مفتون بالكامل.
ولفترة طويلة لم يقل شيئًا، فقطبت تيناشا حاجبيها منزعجة وقالت: «ماذا هناك؟ أنت تتصرف بشكل مقزز. قل شيئًا…»
«اه…» مد أوسكار يده بتردد، وعندما ربت على رأس تيناشا كما كان يفعل عادة أغلقت عينيها كقطة. كانت هذه حقًا الساحرة ذاتها كالسابق.
شعر أوسكار بالاطمئنان، وسألها: «ما الذي حدث هناك؟ كيف انتهى بك الأمر هكذا؟»
«أعضائي الداخلية قد تضررت بشكل بليغ، فعالجتها عن طريق تسريع معدل نمو جسدي بشدة. شعري طويل جدًا الآن.» وبينما كانت تيناشا تتحدث، أخرجت خنجرًا وقربته إلى شعرها.
فسارعت سيلڤيا لإيقافها قائلة: «سأقوم بذلك! أنت اجلسي.»
«ماذا؟ سوف أقصه وحسب.»
«دعيني! أفعل هذا!»
استسلمت تيناشا قائلة: «حسنًا…» وجلست طواعية على كرسي، وبدأت سيلڤيا في تصفيف شعرها سبجي اللون بتأنٍ.
جلس أوسكار أمام تيناشا وقال: «إذًا هل كل شيء بخير الآن؟»
«أجل، أنا بخير. لقد عانيت القليل من فقدان الدم وحسب.»
«أجل، ظننت حقًا أنك كنت ميتة. هل سيعود مظهرك إلى السابق؟»
«لا. كما أخبرتك في البرج، مظهري ليس مصطنعًا بالسحر. نمو جسدي قد توقف، هذا كل شيء. أعتقد أن بإمكاني استخدام تعويذة لأبدو كما كنت… هل تفضل النساء الصغيرات؟»
رد أوسكار بشكل قاطع: «بالتأكيد لا.» في الحقيقة مظهرها الآن كان جذابًا أكثر بكثير في نظره، وباعتبار حالتها العقلية فهذا كان أقرب لحقيقتها. وعيناها اللتان بدتا أكثر نضجًا كانتا ملائمتان لهذه الهيئة جيدًا. ثم تنهد أوسكار تنهيدة ارتياح بداخله.
قفز نارك من على كتف أوسكار إلى حجر تيناشا، فربتت على ظهره وقالت:
«أوسكار، يبدو أنه معجب بك الآن. انظر، يبدو أنه يعطيني هذا.»
أسقط التنين الحجر الأحمر من فمه في كف تيناشا. كان الحجر المشابه للجوهرة أصغر قليلًا من يدها، ثم رمته إلى أوسكار، فالتقطه وهو في الهواء وحدق في الحجر القرمزي. كان عليه علامات تدل على أنه كان منحوتًا من شيء أكبر.
«هذه هي نواة الوحش الشيطاني، مع أن نارك تمكن من التقاط نصفها فقط على ما يظهر. إنها مجرد جوهرة عادية الآن، لذا لا حاجة للخوف.»
«نواة الوحش الشيطاني… مهلًا، هزمت الوحش الشيطاني؟!»
كان أوسكار يعلم أن تيناشا قد ذهبت بعدة القتال الكاملة خاصتها، لكن لم يتوقع أن تذهب بالفعل إلى ذلك الحد وحدها. كان الأمير مذهولًا، فضيقت تيناشا عينيها وابتسمت قائلة:
«لم أرغب في المرور بعناء ختمه لبضع سنوات مجددًا في المستقبل. اوه، جثث السحرة الذين أرادوا إبطال الختم كلها مدفونة تحت الأرض. آسفة، لم أستردهم.»
«لا أهتم بذلك… فقط… لا تتصرفي بتهور المرة القادمة.»
احتجت تيناشا قائلة: «كان هذا لا شيء!»
رد أوسكار بشكل واقعي: «لقد أُصبت بشدة.» فأخرجت تيناشا لسانها له.
عدَّل أوسكار قوامه، وأعاد صياغة كلامه قائلًا: «لقد أنقذتنا. إنه بسببك أننا لم نتكبد أي خسائر. شكرًا لك.»
لو كان الأمر قد سار كما أراد أولئك السحرة، لآل إلى مجزرة لا تحمد عقباها. لحسن الحظ اهتمت هذه الساحرة بالأمر قبل أن يصل إلى ذلك. انفتحت عيناها السوداوان الكبيرتان، وارتسمت ابتسامة كبيرة على وجهها، قم قالت:
«لم يكن بمشكلة. أنا ساحرة بعد كل شيء.» ابتسمت حامية أوسكار بتألق، دون أن تلقي بالًا للعبء الذي يحمله.
أنجز مقص سيلڤيا الصغير عمله جيدًا، وقصَّ شعر الساحرة الأسود اللامع إلى طوله السابق.

تعليقات
إرسال تعليق