أرجو عدم نشر ترجمتي للرواية دون إذن.
__________________________________
ذات ظهيرة مشمسة، طفت فتاة شابة فوق أبراج قلعة فارساس.
في الواقع، لم تكن صغيرة السن على الإطلاق؛ فهي ساحرة القمر اللازوردي تيناشا، وهي التي مثلت عصر الساحرات، الذي استمر لثلاثة قرون دون منازع. تقول الشائعات أن لقب تيناشا قد جاء من حقيقة أنها قبل أن تسكن البرج بمدة طويلة، لم تكن تظهر سوى في الليالي المقمرة حين يكون القمر ظاهرًا بلا حوائل، إلا أن هذا لم يتأكد قط.
تبعثر شعرها من الرياح، وبينما كانت تصففه تلقت تقريرًا من جنيها. ظلت تيناشا تتلقى هذه التقارير من قبل أن تعيش في البرج بكثير، ولم يكن أي واحد منها جيدًا قط. لقد تلقت الكثير والكثير منها على مدار السنين لدرجة أن تفاصيلها بدأت تصبح مبهمة.
ضيقت عينيها ونظرت إلى الأفق، وشعرت أن بإمكانها رؤية برجها اللازوردي صغيرًا وبعيدًا في الأفق.
ثم قالت: «أراك في المرة القادمة.»
ربتت بلطف على رقبة جنيها القط الرمادي، فخرخر بسعادة. تساءلت تيناشا إن كان كل ما فعلته طيلة هذا الوقت بلا جدوى؛ كاد أن يبدو كذلك. أبدت الساحرة ابتسامة مستنكرة للذات بشدة، ومع ذلك بعثت جنيها مجددًا إلى العالم. وظيفة هذا المخلوق كانت البحث عن شخص معين، وهو على الأرجح ميت بالفعل.
-----
كان السحرة الملكيون يقضون أغلب ساعات عملهم في حضور المحاضرات والعمل على أبحاثهم الشخصية، ولكن إضافة إلى ذلك كان عليهم أخذ مهام صغيرة تأتي من أنحاء متعددة، وإنجازها.
تلك المهام كانت تُعلَّق كل صباح على الحائط في الرواق خارج قاعة المحاضرات، وتُرتَّب حسب مستوى الصعوبة. في العادة كان السحرة وحدهم من يمكنهم رؤية هذه الملصقات، ولكن الآن كان ولي العهد يتفحصها باهتمام. ثم أشار إلى حاميته التي بجانبه وقال:
«تيناشا، هذه المهمة تبدو ممتعة. يجب أن تأخذيها.»
عبست تيناشا وقالت: «لم أنت من يقرر هذا...؟» هذه هي أقوى ساحرة في القارة، وبمستوى سحرها كان بإمكانها إنجاز أي مهمة منهم بسهولة. كان أوسكار على علم بذلك في حين أمسك بواحد من الملصقات وبدأ بقراءته.
«يبدو أن لها علاقة بإنشاء أنظمة نقل في المدينة. مكتوب أنه سيأخذ حوالي شهر. هذا يعني أنه يمكنك الذهاب للاستطلاع.»
أضافت تيناشا قائلة: «سيكون هذا للعمل. وليس للمتعة.» وسحبت الورقة من يد أوسكار. كانت تقرأ التفاصيل بتمعن، ولكن في واقع الأمر بدت مجرد فتاة جميلة. وعندما لمحها السحرة المارّون حدقوا فيها بإعجاب. لاحظ أوسكار ذلك، فابتسم بغرور لنفسه.
لقد قرر أن يذهب إلى برجها منذ خمس سنوات مضت.
في ذلك الوقت كان أوسكار يكرس نفسه لدراسته وممارسة فنون المبارزة، في محاولة منه للتكيف مع اللعنة المُلقاة عليه. عند سماعه قصة البرج ووعد سيدته بتحقيق رغبة من يصعد إلى القمة، بدا الأمر مذهلًا لدرجة لا تصدق.
منذ ذلك اليوم صارت مقابلة ساحرة ذلك البرج هدفه الرئيسي... ولكن الساحرة التي قابلها كانت بعيدة كل البعد عما تخيله؛ فبدت صغيرة السن بدلًا من حيزبون بشعة، كما أنها لم تكن ماكرة أو غير عقلانية كما توقع أوسكار خلاف ذلك. كانت سليطة اللسان ولكن هذا كان جزءًا من طريقة إظهارها للاهتمام في داخلها. وضع أوسكار يده على رأس هذه الفتاة التي تصغره حجمًا بكثير، وقال:
«يبدو مثيرًا للاهتمام؛ لذا سأذهب معك. أظن أنك ستُختطفين إذا تركتك تتولين الأمر بمفردك على أي حال.»
وبخته تيناشا قائلة: «أنا لست هرة، سأكون بخير! لا تستغل الفوضى للتسلل من القلعة!»
«تقولين هذا ولكن... إن حدث شيء فسيكون الأوان قد فات.»
جمال تيناشا الأخاذ وقوامها الممشوق كانا كافيان لجذب انتباه غير مرغوب فيه. إذا أشاح أوسكار بصره عنها ووقعت في خطر، فسيكون المسؤول لأنه هو من أبرم معها العقد.
رفعت تيناشا عينيها إليه بغضب، مدركة تمامًا قلق أوسكار الواضح، وقالت: «أود أن أحظى بمحادثة جدية معك بشأن نظرتك تجاهي.»
«نظرتي تجاهك؟ ليست هناك مشكلة في عيني.»
كانت طيبة وذكية وليست أنانية بشكل كبير، وهذا بالفعل جعلها مؤهلة لتكون ملكة، إضافة إلى أن التواجد معها كان ممتعًا. ربما لأنها لم تكن مواطنة في فارساس فكانت صريحة وغير متحفظة في تعاملها معه؛ مما كان مسليًا.
... ولهذا السبب كان كل ما تبقى هو انتظارها لتغير رأيها بشأن الزواج منه. لم يخفِ الأمير أيًا من تلك النوايا. ثم تنهدت تيناشا وقالت:
«حسنًا، بما أنك كلفت نفسك عناء اختيار هذه المهمة، سأتكفل بها. ولكنك ستبقى في القلعة. يمكنني تدبر الأمر وحدي.»
«اه، مهلًا!»
مد أوسكار يده بشكل لا إرادي، ولكن تيناشا اختفت بلا أي تعويذات. ربما انتقلت آنيًا؟ بعض السحرة الذين رأوا ما حدث من بعيد كانوا مذهولين مما فعلته تيناشا.
بعد أن تُرك أوسكار بمفرده، حك صدغيه ثم استدار. لم يكن لديه وقت للتفكير في كيفية هروب تيناشا؛ فقد كان لديه جبل من العمل لينجزه، ولكن محادثتهما الصغيرة هذه كانت بمثابة استراحة لطيفة. نظر أوسكار من النافذة إلى السماء الصافية.
ثم مشى بحيوية ونشاط تاركًا وراءه بعض السحرة المندهشين وهم يحدقون فيه.
-----
في الآونة الأخيرة، بدا أن طقس فارساس يزداد حرارة يومًا بعد يوم.
ووسط الهواء الساخن في ساحة التدريب، كان ألس يتبارز مع الجنود الصغار. كانت تحركات الجنود بطيئة إما بسبب أنه لم يمض سوى أسبوع بعد المهرجان وكان الجميع لا يزال مرهقًا وإما بتأثير الحر. كان ألس يتساءل هل يدعهم يأخذون استراحة أم يلقي عليهم محاضرة، وحينها لمح شخصًا قادمًا من القلعة. بعد أن أدرك من كان هذا الشخص أُصيب بالدهشة.
«آنسة تيناشا، هل أنت في مهمة لسمو الأمير؟»
«لم قد أفعل أنا ذلك؟» كان شعرها مرفوعًا وترتدي ملابسًا خفيفة يسهل التحرك بها، وكان سروالها يصل حتى ركبتيها كاشفًا لباطن ساقيها الذي كان شاحبًا بشكل مدهش. قلق ألس من أن الفتاة قد تصاب بحروق شمس.
«لقد أنهيت عملي، وأشعر بقليل من الضجر المكبوت من روتيني اليومي. أود أن أتمرن قليلًا، لذا إن لم يكن عائقًا لك أريدك أن تنازلني.»
سأل ألس متفاجئًا بوضوح: «هل سمو الأمير يعبث معي مجددًا؟»
هزت تيناشا رأسها بعنف وقالت منزعجة: «أتساءل من أين يأتي بهذا؟»
… كان معلومًا بالفعل في مجموعات معينة أن تيناشا كانت المفضلة لدى أوسكار وأنه كان يقحمها في كل شيء تقريبًا.
اعتقد بعضهم أن هذا لطيف، بينما اعتقد آخرون أنه مثير للشفقة. وقلق كومو والسحرة الآخرون من أن تيناشا قد تخسر قوتها لأجله، بعد أن حالفهم الحظ وحصلوا أخيرًا على ساحرة روحية في القلعة.
عبس ألس بعد أن لاحظ أن هيئتها النحيلة وهي تقف وسط الجنود قد صرفت انتباههم، ثم قال: «كنت على وشك إعطاءهم استراحة لذا سأتنازل معك.»
«شكرًا لك.»
بعد أن أعطى ألس جنوده إذنًا بالمغادرة، عاد نصفهم إلى مراكزهم الرئيسية في حين بقي النصف الآخر للمشاهدة. استعارت تيناشا سيف تدريب من أحدهم. وأمسك ألس بواحد أيضًا، وكان يشعر بالارتياح لأن ميريدينا كانت في عطلة.
«هل استخدمتِ سيفًا من قبل؟»
«قليلًا، في الماضي.»
«أنا متفاجىء.» رفع ألس سيفه وبدأ يلوح تجاهها ببطىء بينما يقوم بالاحماء هكذا.
تصدت تيناشا لضرباته مرة ثم أخرى. كانت حركاتها الرشيقة وحدسها تدل على أنها مقاتلة بارعة إلى حد كبير. زاد ألس من سرعة هجماته بالتدريج وتصدت تيناشا لجميعها بسهولة.
… قد تكون أفضل من ميريدينا. شعر ألس بقشعريرة في بدنه من تخيل وجه صديقة طفولته المستاء.
غالبًا بسبب شخصية ميريدينا التنافسية، كانت دائمًا تحاول تبادل الهجمات معه بشكل مباشر. بينما لم تصد تيناشا أي ضربة مباشرة، بل كانت تحرف مسارها قليلًا وتدعها تمر بجانبها. لا بد أنها علمت جيدًا أن قوامها الصغير جعل أسلوب قتالها أقل حظًا. وبينما كانت تفعل ذلك كانت تنتظر إلى أن يضعف موقف خصمها.
لو كان هذا قتالًا حقيقيًا لكانت انتهزت الفرصة وسارعت بالقضاء على خصمها على الفور. بالطبع إذا كان قتالًا حقيقيًا لما أعطاها ألس تلك الفرصة منذ البداية.
مع ذلك كانت تيناشا بلا شك خصم مبارزة أكثر مراوغة من بقية الجنود. بينما خطر هذا الاعتقاد على ذهن ألس، ضرب بسيفه أسرع عبر الهواء. الجنود الذين بقوا للمتعة وحسب صاروا الآن واقفين في ذهول من مهارات الساحرة الشابة.
«… ربما سأختبرها قليلًا.»
أفرغ ألس قوة أكبر في قبضته؛ قوة كبيرة لدرجة أنه إذا تصدى لضربة ستتخدر يده وسيُسقط سلاحه. وبقوة وجه سيفه تجاه تيناشا.
لم تتفادى الفتاة النحيلة الهجوم، بل تقدمت للأمام لمواجهته، وهبطت في وضعية اندفاع ثم أمالت زاوية سيفها. وعندما قدمت ضربة ألس القوية بسرعة تجاهها، تجنبتها بتحريك سلاحها لليسار فلمست الضربة أعلى شفرته.
وبعدها مباشرة أخذت خطوة أخرى، وضربت بمرفقها الأيسر معصم ألس.
ما كان ينقص هجوم تيناشا المضاد من قوة عوضت عنه بالسرعة. كان موجهًا ببراعة نحو مفصله، وكاد أن يُسقط سيفه. وبينما سارع بإحكام قبضته على مقبض السيف، وجهت تيناشا رأس نصلها إلى رقبته.
«…!» بوجود رأس سيف عند وجه ألس، استخدم على الفور يده اليسرى لإبعاده من شفرته الحادة.
بعد أن راوغ ألس هجوم تيناشا الذي وضعت ثقل جسدها فيه، قفزت إلى اليمين وجسمها لا يزال منحنيًا. وتفادت ضربة ألس التالية الأفقية.
ثم قفزت تيناشا خطوة أخرى للخلف لتكوين مسافة بينهما. ثم ابتسمت له وقالت:
«كان هذا وشيكًا.» بابتسامة شيطانية كانت تشبه قطة سوداء تجول في الليل. هز ألس رأسه في دهشة وقال:
«تلك ليست حركات شخص قد مارس المبارزة قليلًا وحسب. أنت جيدة بما يكفي لتتركي السحر وتنضمي إلينا هنا.»
حركات سريعة كتلك دلت على أن تيناشا مارست المبارزة أكثر بكثير من مجرد أخذ بضعة دروس. وعلى الأرجح قد خاضت معارك حقيقية؛ فطريقة تحركها تنم عن خبرة كبيرة بذلك.
«شكرًا لك.» ابتسمت تيناشا له ابتسامة كبيرة. لم يسع ألس سوى هز رأسه وحسب وهو محبط وشعر بشيء عميق ومبهم في تلك الابتسامة.
-----
دوى صوت الساحر في أرجاء قاعة المحاضرات.
«منذ أربع مئة عام، بعد اندثار إمبراطورية السحر تولدار في ليلة واحدة، خسرنا جزءًا من التقنيات السحرية. ولكن في الوقت الحالي أغلب السحر المصدق عليه يتم تشاركه فيما بيننا؛ لذلك بإمكاننا القول أن نقطة البداية الآن هي ضمان أن كل من يلقي تعويذة لديه إدراك قوي بمعرفته الفردية. أول خطوة في استخدام السحر هي أن تصير واعيًا بذاتك كقارورة زجاجية مملوءة بسائل، وأن تتفاعل مع العالم كفرد بينما تستخدم تلك التركيبة السحرية للتأثير على الظواهر الطبيعية.»
حوالي عشرون شخصًا كانوا مجتمعين للمحاضرة الصباحية؛ وهي مقدمة عن السحر.
كانت تيناشا تجلس في آخر صف في الخلف وتستمع بتمعن حينما انفتح الباب الخلفي ودخل كاڤ إلى الغرفة. عندما لاحظ تيناشا لوح بيده وجلس بجانبها، وقال:
«محاضرة ممتعة؟»
أجابت تيناشا: «أجل، كثيرًا.» وهي تلف قلمًا بين أصابعها. لم تكن تذكر أنها تعلمت السحر من شخص قبل أن تصير ساحرة. الاستماع لنظريات كتلك كان أمرًا مميزًا بالنسبة لها.
لكن قاطع المحاضرة صوت وقع أقدام صاخب من الأعلى. قاعة المحاضرات كانت تقع في الأتريوم (فسحة سماوية)؛ وكانت مصممة بطريقة تجعل من في الدرج في الطوابق العلوية بإمكانه النظر إلى الغرفة في الأسفل. شخص في أعلى الدرج كان يصدر ضجيجًا مزعجًا وهو يمشي بروية.
شاهدت تيناشا وهي تتساءل إن كان هناك أمر طارئ، ثم ظهر رجل بدين مبهرج. مشى للخلف ثم بدأ يلقي وابلًا متواصلًا من التذمرات بشأن القضاة. أوقفت الضوضاء المحاضرة للحظة ورفع الجميع رؤوسهم للمشاهدة. لم يلق الرجل البدين بالًا لمشاهديه وتابع سيره دون النظر ولو مرة إلى قاعة المحاضرات في الأسفل.
همست تيناشا: «ماذا كان ذلك؟» وعندما أوشك كاڤ على إجابتها اُستأنفت المحاضرة، فصمتا للاستماع.
لم تعرف تيناشا الإجابة على سؤالها سوى بعد ثلاثة أيام.
-----
أجنحة ولي العهد أوسكار كانت تشغل وحدة بداخل القلعة. بمجرد أن دخل هناك سمع صوت طرق عند النافذة، ففتحها أوسكار وهو مندهش فوجد تيناشا تقف في الشرفة، فدعاها للداخل.
«يمكنك استخدام الباب كما تعلمين.»
«لا أريد. إذا رآني أحد ستزداد الشائعات سوءًا…»
«أظن أن الأوان قد فات على ذلك قليلًا.»
دخلت تيناشا وهي تبدو متجهمة، ثم علقت: «لقد عدت متأخرًا كثيرًا اليوم.»
«وصل شخص يزيد من عملي إلى القلعة… اوه، أحضرت ما طلبته بالمناسبة.»
اتجه أوسكار إلى منضدته وقدَّم إلى تيناشا حزمة من الورق كانت موضوعة على المنضدة. كانت تلك الوثائق تحتوي على معلومات بشأن البحث في مقتل تيميس وأرادت تيناشا دراستها. احتوت كومة الأوراق الطويلة تفاصيل كل شيء بما في ذلك أبحاث تيميس المنشورة، وحتى نظرياته غير المُعلَنة الأكثر سرية.
قالت تيناشا: «شكرًا لك.» وأخذت التقارير وبدأت في تصفحها.
قال أوسكار بصوت متثاقل: «يبدو أننا ما زلنا لم نعثر على الساحر العجوز الذي شوهد مع فيورا. لا نزال نبحث عنه ولكن…»
عللت تيناشا قائلة: «نستطيع الجزم بأنه تسلل إلى القلعة وأعطاها السم، لكن هذا مجهود كبير لمجرد التدخل في قضية شخصية.» لهذا السبب صارت تيناشا مهتمة باستخدام أبحاث تيميس لحل اللغز. وبينما طالعت الوثائق تابعت قائلة: «الحقيقة أنه هناك شخص آخر يبدو مريبًا بالنسبة لي. لكن قد يكون مجرد توهم مني.»
قال أوسكار بإلحاح: «شخص مريب؟ من هو؟»
«خلال المهرجان، تلقيت إنذارًا من ساحر مرَّ بي. قال: من الأفضل ألا تغادري. وإلا ستتورطين في أمر مزعج.»
وصفت تيناشا الرجل الذي مر بجانب الخندق، فعبس أوسكار وقال: «قصة غريبة أخرى. ولكن لا يبدو أنه الشخص ذاته الذي شوهد في القلعة.»
وافقته تيناشا قائلة: «لا، ليس هو.»
الشخص الغريب الذي شاهدته عند الخندق كان شابًا في نفس عمر أوسكار تقريبًا؛ كان شعره بنيًا فاتحًا وكان بصحبته فتاة ذات شعر فضي. الساحر الذي شوهد مع فيورا كان أكبر وكان يرتدي قلنسوة تغطي عينيه.
مع ذلك ظلت تيناشا حذرة من الساحر الغامض الذي قابلته في المهرجان؛ لأنه كان يخفي طاقته السحرية. قدرته السحرية الحقيقية كانت بعيدة كل البعد عن قدرتها بالطبع ولكنها مع ذلك تخطت غالبًا مستوى السحرة الملكيين العاديين. لهذا السبب كان التفكير بشأنه يزعج تيناشا، رغم أنها أبعدت تلك الذكرى عن تفكيرها في الأيام القليلة الماضية.
«لقد كلفت جنيّي بالبحث عنه. عندما يجده بإمكاننا الحصول على بعض الأجوبة منه.»
قال أوسكار ساخرًا: «لو لم يكن له أي علاقة بكل ذلك ستكون صدمة كبيرة له. أن يتم استجوابه على حين غرة من قِبَل ساحرة هو أمر مربك للغاية غالبًا.»
ردت تيناشا: «لا أهتم. يمكنني محو ذكرياته وحسب.» لم يكن هناك داع لتكون حريصة جدًا. هي لم تعد نفسها ضعيفة ولكنها واصلت تمارين المبارزة لتكون قادرة على التعامل مع أي ظرف غير متوقع. لو مات أوسكار الآن ستكون هذه نهاية سلالة فارساس الملكية؛ ولم تكن تيناشا غير مبالية بالأمر لدرجة أن تشاهد ذلك يحدث وحسب.
أبدت الساحرة تعبيرًا جادًا. وابتسم أوسكار لها ثم صب كوب ماء من إبريق، وقربَّه من فمه ثم أبعده بسرعة. حدق في السائل بريبة ثم قال:
«ما هذا؟ إنه حلو بشكل غريب.»
«ماذا؟» وضعت تيناشا أوراقها على المنضدة ثم ذهبت إليه لتنظر إلى كوب الماء الذي معه.
سأل أوسكار: «هل هو ماء مسكر؟»
ردت تيناشا: «لا يفترض أنه كذلك…» انتاب تيناشا شعور سيء، ونظرت إلى أوسكار ووجها يرتعش، ثم سألته بحذر: «هل شربت منه؟»
«رشفة فقط. لكني لا أشعر بأي…» صمت أوسكار حينها وحدق في تيناشا بلا أن يرمش عينيه. نظرته الثابتة جعلتها مرتبكة، فتراجعت خطوة للخلف وقالت:
«مـ-ماذا؟ ما الأمر؟»
«لا شيء…»
فكر أوسكار للحظة وهو يضع يده على فمه، ثم أشار إلى الوثائق التي على المنضدة وقال:
«يمكنك أخذ هذه معك. اتركيني اليوم.» واستدار. كان الأمير يتصرف بغرابة بلا شك، ولم يسع تيناشا سوى الاقتراب منه وسؤاله.
«لماذا؟ أنت تتصرف بغرابة قليلًا. انظر إلي وأخبرني بالسبب.» طفت الساحرة بضعة سنتيمترات إلى الأعلى وأمسكت بكتف أوسكار وهزته قائلة: «ما الذي شربته؟ استفرغه.»
«لا بأس. غادري فقط.»
«ستحصل على التواء في الرقبة.»
كان أوسكار لا يزال مستديرًا للجانب، فأخذت تيناشا رأسه بين يديها لتجبره على النظر نحوها.
كان هناك لحظة صمت. شعرت تيناشا أن وجهها منعكس في عيني الأمير الزرقاوين، وبلا وعي اقتربت أكثر لترى إن كان حقًا كذلك.
بينما تحركت نحوه، لف أوسكار ذراعيه حولها، ومرر يديه الكبيرتين بين شعرها، ثم قربَّها أكثر وقبَّل شفتيها.
كانت مصدومة. وبهدوء ابتعدت، ورمشت ببطء.
سألته تيناشا: «ماذا كان هذا؟ نوع من المزاح؟»
عندما تركها أوسكار طفت إلى الأرض بهدوء. ثم ربت على رأسها بلطف وقطب حاجبيه قائلًا:
«أشعر بالاهتياج نوعًا ما. أظن أنه كان نوعًا من المنشطات الجنسية.»
«…»
حل صمت ثقيل بين الاثنين. كانت تيناشا متصلبة جزئيًا من الصدمة لبرهة، ثم عادت إلى رشدها وصاحت قائلة: «لم—لم أفعل ذلك!»
«سيكون هذا منعطفًا غير متوقع للأحداث إن كنت الفاعلة، وممتعًا جدًا أيضًا. يا للخسارة.» بدا أوسكار محبطًا نوعًا ما.
ردت تيناشا بغضب: «ليس ممتعًا إطلاقًا!»
جلس أوسكار على السرير. ونظرت تيناشا إلى الأمير وأعملت عقلها بسرعة لتأتي بتدبير مضاد. إذا كان مجرد عقار مثير للشهوة فأفضل شيء لفعله هو أن تتركه وتغادر كما طلب منها، ولكن كان هناك احتمال أنها كانت جرعة بها نوع من التأثير الجانبي أيضًا؛ وفي تلك الحالة قد تكون مهلكة فيما بعد إن لم تُعالج في الحال.
في الوقت الحالي كل ما كان بوسع تيناشا هو تحليل التركيبة السحرية للسائل. قررت الساحرة فعل ذلك ولكنها فجأة وجدت أنه أمسك بذراعيها وسحبها على السرير.
«هاي، اهدأ.»
قال أوسكار: «لهذا أخبرتك أن تغادري.» كان وجهه مقطبًا كما لو كان يتألم، وصوته خالٍ من النبرة الساخرة المعتادة.
تصبب العرق البارد من تيناشا؛ فكانت هذه أول مرة تراه هكذا. ثم لفت جسمها لتفلت من تحت الرجل الذي فوقها، لكن الفارق في بنيتيهما كان شاسعًا فلم تستطع الحراك.
في أوقات كهذه، أفضل شيء لفعله هو التحليق في الهواء ثم إفقاده الوعي، تمامًا حينما فكرت تيناشا بذلك اقترب منها أوسكار بنظرة متلهفة في عينيه، وقبَّل شحمة أذنها اليمنى.
«أدركت شيئًا للتو…»
«ما هو؟» سألته وهي تنظر إليه ببرود.
«لا حاجة لأن أكبح نفسي هنا. ليس هناك ما يمنعني.»
فصاحت قائلة: «بل هناك! أنا هنا! سأذهب نحو السقف!»
«افعلي ما تريدين.» كان صوته خافتًا وخشنًا، ووجهه الوسيم يقترب أكثر وأكثر.
تنهدت تيناشا قليلًا وأغمضت عينيها، ثم ضغطت بجبهتها على جبهة أوسكار، ووضعت سحرًا في النقطة التي لمسته فيها. التركيبة السحرية لما كان يجري في عروقه اتخذت شكل ختم سحري يطفو في الهواء.
ثلاثة خواتم؛ قوية جدًا، لكن بنيتها بسيطة مع ذلك. حين ركزت بقوة في وضع طاقة في تلك الخواتم تناثرت بلا أثر يذكر.
بمجرد أن خرجت تيناشا من تحت أوسكار أمسكت بإبريق الماء الذي بدأ كل ذلك، وقالت:
«لهذا أخبرتك أنني لا أستطيع حمايتك من السموم! عليك أن تكون أكثر حذرًا. سأتذوقه الآن.»
قال أوسكار ساخرًا: «إذا تأثرت بالمنشط الجنسي فلن أوقفك.» وبدا أنه عاد لطبيعته.
احمر وجه تيناشا غضبًا وقالت: «السموم ليس لها تأثير علي!» بعدها صارت الساحرة هادئة جدًا رغم كل صياحها السابق، وأمالت رأسها في حيرة قائلة: «على كل حال، لا نعرف لم تم إعطاؤك هذا… إنه حقًا مجرد منشط جنسي.»
قال أوسكار وهو يبدو مشمئزًا بشكل غير مألوف: «أنا أعرف من قد يكون. لكن بلا دليل.» وضع ساقًا على ساق على سريره، وجلست تيناشا بجانبه وهي تمسك بإبريق الماء في يدها.
قالت تيناشا: «إذًا نحن بحاجة للحصول على بعض الأدلة.» ودندنت تعويذة قصيرة لتضيف تركيبة سحرية على ما بقي من المنشط الجنسي. استجاب السائل على الفور وطفا في الهواء كخيوط رقيقة صنعت شكلًا ثلاثي الأبعاد.
«مهلًا لحظة، هذا سوف يكشف من فعل هذا العمل.» أضافت تيناشا تعويذة أخرى للشكل ثلاثي الخواتم.
سأل أوسكار مندهشًا: «تستطيعين فعل ذلك؟»
«من فعل هذا ظن على الأرجح أنه لا يمكن لأحد أن يعكسه ويكتشف هويته. لقد انقرضت هذه التعويذة منذ زمن بعيد وغالبًا أنا الوحيدة التي تعلم كيف تلقيها الآن.»
كلما دندنت تيناشا جزءًا من التعويذة كان الشكل يتغير تدريجيًا ويدور في الهواء.
«بالمناسبة إن كان من فعل هذا شخص لا أعرفه فلن أستطيع أن أقول من هو. انظر… اوه، مهلًا…»
حصلت تيناشا على الإجابة، وتجهم وجهها أكثر وهي تحدق في الشكل الملتف.
-----
حتى مع وجود مضايقة غير متوقعة لم يستطع أوسكار التهرب من مسؤولياته المتعددة. أفضل ما أمكنه فعله هو التخلص من الناس الذين كانوا يضيفون من الأمور المزعجة أكثر. بينما كان يعمل على مستندات في مكتبه قدمت له تيناشا فنجان شاي أعدته، فشكرها. ثم جاء طرق سريع على الباب؛ جاء الشخص الذي طلبه أوسكار.
«جئت تحت استدعائك.» دخل خبير الجرعات السحرية كاڤ إلى الغرفة بخجل.
أعطاه أوسكار كوب ماء وقال: «تعلم ما هذا، صحيح؟ لا تشربه.»
تقدم كاڤ وأخذ الكوب، ثم حدق فيه بارتباك واستنشقه. شاهدته تيناشا باستمتاع حينما جف الدم من وجهه.
«لماذا تملك هذا يا سمو الأمير؟»
«شخص ما وضعه في إبريق الماء لدي.»
«مـ-ماذا؟!» صاح كاڤ مندهشًا وهو ينظر جيئة وذهابًا من أوسكار إلى تيناشا. تقبل أوسكار نظرة الرجل بهدوء في حين عبست تيناشا وأومأت برأسها؛ ففهم كاڤ ما ترمي إليه والتفت إليها وانحنى بشدة.
«عليَّ أن أعتذر بشدة! لم أعتقد أبدًا أنه سيستخدم لهذا الغرض! كيف لي أن أكفر عن ذلك؟»
«اوه، لا. ليس عليك أن تعتذر لهذه الدرجة.»
بدا كاڤ قلقًا وأصر قائلًا: «لكن هذا هو أقوى واحد! مجرد رشفة واحدة منه ستُفقد الشخص صوابه!» فاتسعت عينا تيناشا واستدارت لتنظر إلى أوسكار، ثم صفقت بيديها ببطء وقالت:
«واو! يا لضبط النفس!»
«أكملي، استمري في مدحي.» وجد أوسكار فعلها لطيفًا ومحببًا إلى حد ما، ولكنه التفت إلى كاڤ وقال بإصرار:
«إذًا من طلب منك صنع هذا؟»
تردد كاڤ قليلًا قبل أن يعترف على مضض قائلًا: «الدوق باسفال، عمك…»
كانت تمامًا الإجابة التي توقعها أوسكار، وشعر أنه سيصاب بالصداع.
-----
كيڤين؛ الملك الحاكم لفارساس كان الأكبر من بين ثلاثة أشقاء.
كان لديه أخ أصغر وأخت صغرى، لكن كلاهما توفيا بالفعل؛ أخوه الأصغر رئيس الوزراء السابق توفي لمرضه منذ شهر فقط، وأخته الأصغر بينهم كانت دائمًا ذات بنية ضعيفة وتوفيت بعد زواجها ببضع سنوات وحسب؛ فقد كانت مفجوعة لفقدان أطفالها في حادثة الاختطافات التي هزت فارساس، وتدهورت صحتها بتسارع.
كان زوجها الدوق باسفال يُعرف بكونه ماديًّا. لقد أخذ إرث زوجته الراحلة وشيد بيتًا في كولاس خارج مدينة القلعة. وهناك كان يُشاع أنه يعيش حياة مترفة وفاجرة بشكل علني، ولكن لسبب ما عاد للعيش في قصر بالمدينة منذ المهرجان. ليس هذا فقط، بل جاء إلى القصر الملكي رغم عدم استدعائه ليهمس بالشكاوى في آذان من في المجلس الملكي. وقال تعليقات تهكمية وجارحة لأوسكار وغالبًا كان يزيد من عمله.
بينما كان الجميع يتحدث عن باسفال من وراء ظهره، كانوا رغم ذلك يعاملونه بأدب؛ فقد كان ذا قرابة من العائلة المالكة بعد كل شيء ولو عن طريق النسب وحسب.
في تلك الليلة، رجع باسفال إلى قصره وفي يده زجاجة خمر، واستمع إلى تقرير أحد خدمه، ثم سأله:
«هل تعلم هل بدأ مفعول العقار بعد؟»
رد التابع: «لقد وُضع بشكل مثالي، لكن لا نعلم النتيجة…»
«حسنًا، أيًا كان. سأجلس وانتظر النتائج وحسب.»
بعد أن صرف باسفال تابعه، صب بعضًا من السائل العنبري في كأس فضي. كان ثملًا قليلًا بالفعل فضحك باستمتاع وقال:
«ذلك الشقي اللعين وساحرته الروحية. الآن يجب أن يكون في اضطراب من حفره لقبره بنفسه. وإن كان ما سمعته صحيحًا فستموت المرأة؛ هذا أفضل بكثير.»
«… ما الذي، سمعته، بالتحديد؟»
تحدث صوت من وراء باسفال فاستدار متفاجئًا. خارج نافذة الغرفة الكبيرة، بدا القمر اللازوردي ساطعًا في الظلام.
وقفت فتاة شابة على حافة النافذة وأضاءها ضوء القمر البارد ذاك. كانت بشرتها ناصعة البياض ومظهرها جذاب لدرجة أنها شابهت الدمى، إلا أنها ابتسمت ابتسامة قاسية.
ثم أضافت قائلة: «أود أن أعرف.»
كان صوتها حادًّا كشفرة باردة. اخترق باسفال خوف غريزي مما جعل صوته صاخبًا حادًّا.
«مـ-من أنت؟! كيف دخلت إلى هنا؟»
ارتفعت الفتاة الشاحبة عن الأرض قليلًا وطفت حتى وقفت أمام الدوق مباشرة. تمايلت خصلات شعرها شديد السواد كما لو كان مغمورًا بالماء، وبدت عيناها السوداوان كأنها ستثقبه.
«اسمح لي بالتعريف عن نفسي. أنا الساحرة تيناشا، وأدعى ساحرة القمر اللازوردي… أجل، ابن أخيك غالبًا ما يوبخني لدخولي من النافذة. أعتذر حقًا.»
«سـ-ساحرة…؟»
«آسفة لكوني لست ساحرة روحية عادية.»
عند تلك الكلمات أدرك باسفال أخيرًا أنها الساحرة الروحية التي نصب فخًا لها وأنها لم تكن مجرد ساحرة عادية؛ ففقد اتزانه وانهار بضعف في كرسيه.
«لم هناك ساحرة…؟»
«ما الذي سمعته؟» كان سؤال تيناشا ذا نبرة عذبة. لكن مظهرها لم يعط أي إيحاء بقوتها الحقيقة المرعبة؛ إذا غضبت بإمكانها تحويل أحد إلى رماد في طرفة عين.
رد باسفال وهو يلهث قائلًا: «عليه لعنة ساحرة… كل النساء المتورطات معه سيمتن، على ما يبدو…»
«لو كانت كل النساء المتورطات معي لكان هناك وفيات أكثر بحلول هذا الوقت.»
دخل إلى الغرفة صوت جديد لشاب يبدو مرهقًا. فالتفت باسفال ليجد ابن أخيه في النسب واقفًا عند الحائط.
«هـ-هاي، متى دخلت؟!»
بينما كان أوسكار متكأً على الحائط وذراعاه متشابكان، تجاهل باسفال وخاطب الساحرة قائلًا: «أخبرتك أنك ترعبين الناس عندما تدخلين من النافذة.»
«لا أهتم. إنه مريح.» انحنت تيناشا والتقطت الأوراق المبعثرة على الأرض؛ كان تقريرًا يحتوي على بيان مفصل عن الأشخاص العاملين بالقلعة، إضافة إلى السياسة الداخلية والخارجية، لكن لم يحوِ أي معلومات سرية.
قال أوسكار بنبرة تهكمية: «إذًا يا عمي، مِن مَن سمعت هذا الكلام؟»
فسأل باسفال: «ألم يعمل العقار…؟»
قال أوسكار مازحًا: «هل عمل…؟ هل لم يعمل…؟ في كلتا الحالتين أعتقد أنني ربما فعلت شيئًا أندم عليه، بصراحة.»
قاطعته تيناشا ببرود قائلة: «ماذا، ضاعت فرصتك عندما أبطلت التعويذة؟» ثم طفت تجاه باسفال وزحفت بأصابعها البيضاء على مؤخرة عنقه قائلة: «من أخبرك بشأن تلك اللعنة؟ إن أخبرتنا سنرحل.»
انكمش باسفال على نفسه وصاح قائلًا: «لا—لا أعلم! لم أعرف اسمه أيضًا! مجرد ساحر عجوز!» تبادل أوسكار وتيناشا النظرات.
ثم سألها أوسكار: «أتظنين أنه الشخص ذاته؟»
ردت تيناشا: «هذا محتمل جدًا… يبدو أنه سبقنا.» طفت الساحرة من فوق رأس باسفال وتحركت بسلاسة حتى نزلت بجانب أوسكار.
قال أوسكار متفكرًا: «أنا لا أفهم حقًا ما الذي يريد الوصول إليه. ما العلاقة بين هذا والحادثة الأخرى؟» وكان يضع يدًا على ذقنه ويفكر في الاحتمالات، واستخدم يده الأخرى ليمرر يده على شعر تيناشا، فرمشت عيناها وانغلقتا قليلًا، كقطة سعيدة بتدليلها.
شاهد الرجل المختبئ في كرسيه المشهد وصاح بيأس قائلًا: «إذا كانت الساحرة هنا هذا يعني أن اللعنة حقيقية! كما تستحق! سلالتك أنت ووالدك تنتهي هنا! فلتموتا!»
ارتفع حاجبا تيناشا.، ورفعت ذراعيها وبدأت في نسج تعويذة. لكن أوسكار رفع يده لإيقافها.
ثم ذهب تجاه الشرفة التي دخل منها وقال دون الالتفات إلى عمه: «حتى لو حدث ذلك فلا حاجة لك أن تقلق يا عمي. عد إلى بيتك في كولاس وحسب.»
قذف باسفال ابن أخيه بكلمات مسيئة أكثر وهو يرحل قائلًا: «عندما تموت هذه الدولة لي! ستدفع ثمن كل المهازل التي عانيتها!»
لم يرد أوسكار على الاستفزاز كما لو لم يسمعه إطلاقًا. وبدأ باسفال بالضحك بجنون وبصوت صاخب فنظرت إليه الساحرة بنظرة ازدراء، ثم اقتربت وهمست بصوت واضح وحاسم قائلة: «سلالته لن تنتهي. لم قد جئتُ إلى هنا برأيك؟»
توقف باسفال عن الضحك ورفع نظره إليها؛ كانت مظللة بهالة القمر وتبتسم ابتسامة ساحرة.
«سلالته لن تموت. وأنت… لن تطأ قدمك هذه المدينة مجددًا أبدًا… هذا نهائي.»
اتسعت عينا باسفال وفتح فمه مندهشًا وهو يحدق فيها. ثم تراجع وارتمى على الكرسي بشكل واهن، كما لو قُطعت أوتاره، وجلس هناك يرتعش وحسب بلا طاقة حتى ليرفع بصره.
نظرت إليه تيناشا ببرود ثم تبعت أوسكار إلى الشرفة.
سأل أوسكار: «ما الذي فعلته؟»
فأجابت: «هكذا تُلقَى اللعنات.» ضيقت عينيها وابتسمت له؛ كان تعبيرها تعبير شخص قوي وواثق من قوته في التحكم بمصير الآخرين. ثم قالت: «لنعد أدراجنا يا أوسكار. انتهى عملنا هنا.»
مدت تيناشا يدها لأوسكار فأخذها، وطفا الثنائي في الهواء، وارتفعا عاليًا وحلقا في سماء الليل. كانت عينا أوسكار مركزة على المشهد الذي تحته كطفل صغير.
ثم قال: «من الممتع استخدام سحر الانتقال الآني، لكن الطيران مميز جدًا ومثير.»
فسرت تيناشا قائلة: «لكي تستخدم سحر الانتقال يجب أن تكون على دراية بإحداثيات وجهتك وإلا لن يعمل. أنا بالتأكيد لا أعرف إحداثيات كل المواقع في المدينة.» ثم تنهدت بشكل غير متوقع، فنظر أوسكار إليها مندهشًا. وبعد مهلة تمتمت: «لديك عم بغيض حقًا.»
«اوه، ذلك؟ حسنًا، لسنا أقرباء بالدم. أنا ممتن لذلك على الأقل.»
ظن أوسكار أن تيناشا كانت منزعجة بشأن عدم معرفتها للكثير من الأماكن في المدينة بعد، لكن اتضح أنها تنهدت بسبب وضع عائلته. لكن مهما طرأ من أمور مزعجة ومثيرة للاشمئزاز، فجميعها كانت عبئًا على أوسكار أن يحمله وحده. لم يستطع مشاركة المسؤولية مع أحد ولم ينوِ المحاولة حتى؛ فقد تأهب لعيش حياته بأكملها هكذا منذ وقت طويل.
عبس أوسكار قليلًا وبادل نظره بنظرة تيناشا القلقة.
ثم قالت: «يمكنني التعاطف معك أكثر نوعًا ما الآن… حتمًا سأفعل شيئًا بشأن لعنتك.»
النظرة التي كانت في عيني تيناشا كانت مختلفة تمامًا عن سابقتها في القصر؛ فشعر أوسكار أن قلبه ينبض بقوة. وبينما كانت تلك الساحرة في هيئة فتاة تنظر إليه بعينين لامعتين وصافيتين، شعر بحب يتدفق بداخله.
سأل أوسكار: «ماذا؟ هل تريدين الزواج مني الآن؟»
«أنا أتحدث عن إيجاد طريقة أخرى!» ردت تيناشا بانزعاج كما كانت تفعل دائمًا، وانفجر أوسكار بالضحك. شعر بصفاء ذهنه، وأخذ نفسًا عميقًا بسلاسة. كآبته المؤقتة قد انقضت.
في الصباح التالي أول شيء فعله باسفال كان الفرار من المدينة على عجالة شديدة. وأغلق بيته على نفسه في كولاس ولم يظهر مجددًا أبدًا.
تعليقات
إرسال تعليق