أرجو عدم نشر ترجمتي للرواية دون إذن.
__________________________________
أخذت سِنة من النوم لإنعاش جسمها. ربما لأن قيلولتها كانت هادئة جدًا، زارتها أحلام عديدة؛ فيها رأت ذكريات لماضٍ بعيد مبعثرة لدرجة لا يمكن ترتيبها.
كان بها طيف لنفسها وهي طفلة، وهي ساحرة، وعدد لا نهائي منها في عدد لا نهائي من الهيئات. وقبل تلك المشاهد الكثيرة شعرت كأنها مسافرة تمشي وحدها في صحراء موحشة.
كل الناس المختلفين الذين أبرمت عقودًا زائلة معهم قد عاشوا وماتوا منذ زمن طويل. هي الوحيدة التي ظلت تمضي قدمًا، وحدها. لا، ربما كانت تحب التفكير بأنها تمضي قدمًا لكن في الحقيقة كان أقرب إلى كونها عالقة في مكانها. كان كل شيء كما قد كان في اليوم الذي فقدت فيه كل شيء…
ثم لمس أحد شعرها، فعاد وعيها، وسقط الضوء على عينيها.
أحاط الضياء بها لكنها لم تستطع الاستيقاظ بالكامل بعد. يد دافئة بعثرت شعرها ببطء، فغرست اللمسة الرقيقة إحساسًا بالأمان… وجعلتها تغط في نوم عميق بلا أحلام.
عندما أحسَّت تيناشا بانتعاش جسدها واستيقظت أخيرًا، ضمت ركبتيها إلى صدرها وأمالت رأسها في حيرة.
«… أوسكار؟» لم تستطع تذكر لمَ كان اسمه على لسانها، لكنها تذكرت الدفء الذي شعرت به في صدرها… وتورَّد وجهها قليلًا.
-----
في مكتب الحصن، أعد أوسكار في الحال تقريرًا مفصلًا بآخر الأحداث، مضيفًا إليه المعلومات التي حصل عليها من تيناشا.
حالما يعودون إلى القلعة ويسلمه سيكون قد انتهى. ثم نظر إلى الأعلى وأشار إلى حاميته التي كانت بالقرب منه.
فاقتربت بتعبير متردد وسألته: «ما الأمر؟» رفعها أوسكار بسهولة وأجلسها على ركبتيه. جسمها الرقيق كان ثقيلًا جدًا عندما كانت غائبة عن الوعي لكن حاليًا كانت خفيفة لدرجة لا تعقل. تيناشا كانت دائمًا تطفو في الهواء لذا ربما أنقصت وزنها بالسحر.
حدقت تيناشا فيه بعينيها الدائرتين وهو يحملها في حجره كطفلة، وقالت: «ما الذي تفعله…؟»
فأجاب: «اه، مظهرك الآن يجعلني فقط أرغب في ضمك.»
«…»
عبست تيناشا، لكن أوسكار لم يلقِ بالًا لذلك وأخذ يمشط شعرها المقصوص بعناية بأصابعه.
«لقد أخبرت المجموعة التي عادت قبلنا أن يبقوا الأمر سرًا، لكن باعتبار مظهرك الحالي فلا يمكننا حقًا إخفاء حقيقة أنك ساحرة بعد الآن. هل ستستخدمين تعويذة لإرجاع مظهرك السابق ؟»
«لا، لم يعد ذلك مهمًا. سيكون صعبًا أن نمنع الناس من الكلام على أي حال.»
«فهمت.»
«أنا أيضًا سئمت من مناداة أمير أحمق معين سمو الأمير، لذا هذا جيد جدًا.»
«سئمتِ، هاه؟»
شابكت تيناشا ساقيها الحسناوين، وسمحت لنارك أن ينزل إلى حجرها بدلًا من التجول في أنحاء الغرفة. أدفأ ضوء الشمس الداخل من النافذة رجليها ناصعتي البياض.
أرشدت الساحرة أوسكار قائلة: «الضباب المحيط بالبحيرة السحرية كان بسبب الوحش، لذلك ينبغي أن يتبدد قريبًا. يجب أن يذهب أحد لتفقده مرة كل ثلاثة أشهر. اوه، لكن كان هناك انهيار أرضى فأخبرهم أن يكونوا حذرين.»
سأل أوسكار: «هل ستجف البحيرة السحرية؟»
«البحيرة هي آثار لسحر قوي متناثر في نواحي الأرض هناك لذا… حتى إن استُنزف القليل منها فستمتص السحر والحيوية من الأرض المحيطة، وتجدد نفسها بسرعة كبيرة.»
قال أوسكار وهو يدلك أصابع قدم تيناشا: «هكذا الأمر إذًا.» وحاول نارك بشكل لعوب إمساك أصابعه.
شابكت تيناشا ذراعيها وهي مستغرقة في التفكير، وقالت: «لكن ذلك الساحر الذي طعنته يضايقني. أظن أن هذا يعني أنه هو من زرع فكرة إطلاق الوحش الشيطاني في عقل ذلك العجوز.»
رد أوسكار: «على الأغلب.»
«ما العمل الذي لديه معي ليصل إلى هذه الدرجة؟ هذا مزعج جدًا. أتمنى أن يُظهر نفسه.» أبرزت تيناشا شفتيها مستاءة.
«أعني… هو لا يفعل لأنك ستقتلينه، صحيح؟»
«كيف تجرؤ أن تفكر بي بتلك الطريقة. لكني سأقتله بالفعل.» قالت الساحرة ذلك كما لو كان الخيار البديهي؛ وهو تمامًا ما جعل خصمها يكون على حذر، ولكن بناءً على تصرفاته فكان محتملًا جدًا أنه سيستمر في اتخاذ خطوات غير مباشرة. التعامل معه سيكون أصعب بكثير من مجرد التعامل مع تحدٍ مباشر.
صرحت تيناشا بحسم وبلا خوف: «على كل حال، إنه يسعى ورائي، لذا لا يمكنني التسبب بأي مشاكل لك. في المرة القادمة التي ينصب فخًا فيها سأتولى أمره بشكل نهائي.»
فقال أوسكار: «أفهم ما تشعرين به، لكن لا تجهدي نفسك. أشعر بالقلق عندما تفعلين الأمور بمفردك.»
«… سأتقدم بحذر.» وافقته تيناشا وأرخت رأسها قليلًا، فلا شك أنها أدركت أنها تقلقه.
ابتسم أوسكار، وطار نارك إلى كتفه. ثم سأل السؤال الذي كان ينوي معرفة إجابته منذ فترة: «اوه، صحيح، من أي نوع من الأشخاص كان جد والدي؟»
ردت تيناشا بأسئلة من عندها:«… من أين جاء هذا السؤال؟ لماذا تريد أن تعرف ذلك؟»
«اه، لدي فضول وحسب. ذلك الرجل العجوز قال شيئًا عنه، أليس كذلك؟»
قال العجوز أن ريجيوس كان الرجل الذي أحبته تيناشا. بدت على استعداد لتفقد وعيها من التوتر وتذمرت قائلة:
«ااااغخ! كثيرون كان لديهم ذلك الانطباع الخاطئ ذاته آنذاك. رجاءً صدقني عندما أقول أنه لم يكن كذلك إطلاقاً!»
أضاف أوسكار قائلًا: «الحكايات الخيالية في فارساس تقول أنه كان كذلك أيضًا كما تعلمين.»
كانت قصة الملك والساحرة تُروى للأطفال في كل مكان، حتى أوسكار ذاته قد سمع عنها. وفيها كانت تيناشا أشبه بساحرة نموذجية، وكان هذا هو السبب الذي جعل أوسكار مندهشًا عندما رآها في الحقيقة.
«علمت أنه ستكون هناك قصص كهذه، لكني علمت أيضًا أنها ستغضبني لذلك لم أكترث لسماع أي منها.»
بدأ أوسكار قائلًا: «طلب ملك المساعدة، فطالبته الساحرة بأن يعطيها مملكته مقابل أن يتزوج منها…»
صاحت تيناشا قائلة: «لاااا!»
«بعد انتهاء الحرب، وافق الملك وأقام حفل زفاف، لكن الساحرة اختفت دون أثر.»
«هناك بضعة أجزاء صحيحة، لكنه لم يكن كذلك إطلاقًا!»
مقدار ضئيل من سحر تيناشا بدأ يتسرب نتيجة لغضبها، حيث أن زجاج النافذة القريبة بدأ يحدث صريرًا غريبًا. ثم تنهدت بعمق من الإرهاق الذهني، في حين ربت أوسكار على مؤخرة عنقها، وقال:
«أظن أنني فهمت دائمًا أنه كان شيئًا كذلك.» وواصل تمرير أصابعه على مؤخرة عنق الساحرة.
وفجأة اهتزت تيناشا وبدأت تتململ بين ذراعيه، وقالت: «هذا يدغدغ! توقف الآن.»
«اه، آسف. أعتقد أنني بالغت قليلًا.» ترك أوسكار تيناشا، فطفت للأعلى بهدوء، وصعد نارك أيضًا وراءها. رحبت بالتنين الصغير بين ذراعيها، ووضعت ساقًا على ساق في الهواء، ثم قالت:
«ريج كان… بتعبير موجز… ملكًا أبله.»
«…»
ريجيوس كوروس لار فارساس؛ ملك فارساس الثامن عشر تُوج في الخامسة عشرة من عمره بعد وفاة والده المفاجئة. كان شابًّا نزيهًا، سويًّا وعادلًا، ولم يكن ميالًا للشك في الآخرين بشكل خاص، ولا كان يستسلم حين تشتد الصعوبات. كان يُعد ملكًا صالحًا.
«قابلته أول مرة قبل غزو دروزا. لقد صعد البرج لذا سألته ماذا كانت رغبته، وفجأة طلب مني الزواج منه…»
أضاف أوسكار قائلًا:«يا للسخافة.»
فوبخته تيناشا قائلة: «أعرف شخصًا آخر فعل الشيء ذاته…»
تظاهر أوسكار بعدم سماعها وأشار إلى نارك، فطار التنين إليه، وانقلبت تيناشا ببطء في الهواء، ثم نظرت إلى أوسكار من الأعلى وقالت:
«حسنًا، ربما كنت سأتفهم إن كان لديه ظروف خاصة مثلك! لكنه لم يكن كذلك! فألقيت عليه محاضرة بشأن كيف أن ساحرة لا يمكنها أن تكون ملكة ولكن–»
قاطعها أوسكار مجددًا: «ثم طالبته بمملكته…»
«لم أكن بحاجة لها!» عارضته تيناشا، وهي تتساءل إن كانت عادة أوسكار في إلقاء تعليقات صريحة ربما قد ورثها عن جد والده.
سأل أوسكار آملًا أن تكمل القصة: «إذًا ماذا حدث بعد ذلك؟»
«لقد رفضته ولكنه تشبث بي ليومين.»
«…»
«فضقت ذرعًا وكنت غاضبة، ثم اقترح شيئًا آخر: "لا أريدك أن تبتعدي عن نظري إلى أن أموت." أنا لا أفهم حتى لمَ جاء إلى البرج…»
«هذا… حقًا أبله.» شعر أوسكار فجأة أنه سأل عن شيء كان يجب ألا يسأل عنه. ورغم شعوره أنه كان سيصاب بصداع ناجم عن انفعال من حماقة سلفه، سألها المزيد: «هل وافقت؟»
«بشروط. في المقابل قلت أنني لن أفعل شيئًا له ولن أذهب لنجدته، وإن حدث وطلب مساعدتي فسيكون هذا بندًا جديدًا في العقد، ولن أظهر أمامه مجددًا أبدًا.»
خمن أوسكار قائلًا: «ثم ظهر الوحش الشيطاني.»
«كان مترددًا للغاية في طلبه. لكن أعتقد أنه توصل للقرار بسرعة إلى حد ما.»
«أنا متأكد أن المجلس الملكي لم يرد لجزئية أن الأمر كله كان متعلقًا بنزوته الشخصية أن تُدوَن في كتب التاريخ…»
ربما هذا ما قاد المجلس إلى تحريف الحقائق ونشر نسخة الحكاية الخيالية التي نجت حتى هذا اليوم. حتمًا سببوا بلا علم الكثير من المشكلات لتيناشا. ثم اهتزت يداها وهي في الهواء، وتشنجت قائلة:
«أتمنى لو كان الأمر انتهى عند ذلك!»
«هناك المزيد…؟»
«كان العقد قد انتهى، ولكن لأن علاقتي به لم تكن جزءًا من الاتفاق…»
«همم؟» أمال أوسكار رأسه.
«ز-زفاف، من بين كل الأشياء… أعدَّه فجأة من العدم… وأرسل ثوب زفاف لغرفتي حتى…» كانت تيناشا ترتعش.
«…»
دلك أوسكار صدغيه، وإضافة إلى الصداع بدأ يشعر ببعض الدوار.
«تركته وحده بالطبع. ولم أره بعدها أبدًا.»
قال أوسكار شاكيًا: «أشعر أنني شهدت على جزء مظلم من التاريخ لم يكن يُفترض بي أن أعرفه.»
لا عجب أن تيناشا دعت ريجيوس بملك أبله. فهم أوسكار أخيرًا لمَ لم ترد أن تتحدث عن عقدها مع جد والده عندما قابلها أول مرة.
«مع ذلك… أنا لم أكرهه أو ما إلى ذلك. رغم أنه كان أبله كنت أعده كعائلة.»
نظرت تيناشا للأسفل، وومض سيل من العواطف بتسارع في عينيها.
لم يسع أوسكار سوى التساؤل: لو لم تكن ساحرة هل كانت ستقبل طلب الملك؟ بدت فرضية سخيفة. ما نوع الحياة التي كانت ستعيشها إن كان ذلك حقيقيًا؟
«كنت على علاقة طيبة بالمرأة التي أصبحت ملكة لاحقًا… جدة والدك. كانت ذكية وسريعة البديهة، وربما تحكمت بريجيوس قليلًا. أنت تشبهها بعض الشيء.» أنهت تيناشا استذكارها للماضي عند ذلك، وهبطت برفق أمام أوسكار. ثم وضعت يدها على خده، وحدقت فيه بعينيها الكبيرتين الدائرتين.
طريقة نظرها أشعرت أوسكار أنها كانت ترى مشاهد من الماضي البعيد.
-----
كانت ردود الأفعال مختلطة عندما أُعلن أن تيناشا ستعود إلى القلعة بعد انكشاف هويتها الحقيقية.
بسبب الحكاية الخيالية بشأنها استنكر قليل من الناس مركزها بجانب أوسكار، بيد أن أولئك الذين تعاملوا معها تقبلوا الأمر بلا اعتراض على الأغلب. برز عدد لا بأس به من الاعتراضات لكن لم يجهر أحد بها، واكتفت تيناشا بإبداء ابتسامة متكلفة لأي شخص معارض.
قدَّم أوسكار تيناشا من جديد لوالده؛ الملك، وللقلة الذين يعلمون بأمر اللعنة. لم يجتمعوا في قاعة الجلسات بل في غرفة جلوس في الأسفل في القلعة. تألَّف الخمسة ضيوف من الملك كيڤين، ووزير الداخلية نيسان، والجنرال المخضرم إتارد، ورئيس السحرة كومو، ولازار. رافقت تيناشا أوسكار، واستمع الضيوف إلى شرحه بتعابير متفاوتة على وجوههم.
ثم ختم أوسكار تلخيصه لكل ما حدث بقوله: «ولذا أنوي أن أجعلها زوجتي.»
صاحت تيناشا قائلة: «لن تفعل! يا له من شرح مريع لولا أني تكلمت!» بسبب الفارق في الطول بينهما، اضطرت أن تطفو للأعلى قليلًا لتمسكه من ياقته وترجَّه.
وقف الملك وقال في محاولة منه لتهدئتها: «قال ابني شيئًا طائشًا. أنا أعتذر. هذا يفسر لمَ شعرت أنني رأيتك في مكان ما من قبل. منذ مدة طويلة، اختلست النظر في مذكرات جدي ومن بين الصفحات كانت هناك صورة مطوية لك.»
تمتمت تيناشا بوجه محمر وهي تهبط أرضًا: «لو كانت المذكرات لا تزال بالجوار كنت سأود منك أن تتخلص من الصورة…»
ثم التفت الملك إلى المسائل الأكثر إلحاحًا قائلًا: «كيف هو تقدمك في مشكلة ابني؟ هل تعتقدين أن بإمكانك حلها؟»
كان سؤالًا منطقيًا بالكامل، لكن الساحرة أبدت للملك ابتسامة متألمة وقالت: «لقد بدأت بتحليل اللعنة لأحاول إبطالها؛ لذلك السبب طُلب مني المجيء للعيش في القلعة.»
«لا، طلبت منك المجيء إلى هنا ليكون لدي عام لإقناعك بالزواج بي.» اعترف أوسكار بذلك بكل صراحة.
فصاحت تيناشا بغضب: «ماذا قلت؟! هذه أول مرة أسمع بهذا!»
قال أوسكار: «بناءً على الوضع الحالي، هذا هو السبب الوحيد المنطقي.»
«الشيء غير المنطقي هو أن ذلك الخيار متاح لك في المقام الأول!» استشاطت الساحرة غضبًا حتى احمر وجهها، وانفجر أوسكار بالضحك.
لم يبدُ أن أوسكار كان ينوي الرد، وكل ما كان بوسع تيناشا فعله هو أن تضم يدها مكونة قبضة من الغضب. ثم التفتت إلى الملك مرة أخرى وقالت: «… أنا أحلل اللعنة، ولكن ساحرة الصمت أكثر إطلاعًا مني بكثير في هذه الأمور. سوف يستغرق التحليل عدة أشهر ليكتمل على ما يبدو، وحتى بعد انتهائه قد لا يمكننا توقع أن تُبطَل اللعنة بالكامل. سأتعامل مع الأمر بطريقة أو بأخرى، لذا رجاءً كن مطمئنًا.»
قال أوسكار مازحًا: «إن لم ينجح ذلك يمكنك تحمل المسؤولية والزواج بي.»
«لا تفترض أنها لن تنجح!» وبدأت تيناشا في رجِّه مجددًا.
لاحظ إتارد المشهد وهمس إلى لازار بجانبه: «إنهما يبدوان مقربين حقًا…»
فرد لازار: «هما كذلك.»
-----
تنهدت تيناشا قائلة: «اخ… ما هذا التقديم بجدية؟» تركتها المقابلة المنهِكة ذهنيًا مستنزفة من كل قوتها، وكانت حاليًا مستلقية بفتور على منضدة في غرفة الجلوس.
قال أوسكار بوقاحة: «لم يكن أي منها كذبًا. ما الذي تعترضين عليه؟»
فصاحت تيناشا قائلة: «هناك أشياء لا ينبغي أن تقولها حتى إن كانت صحيحة! لا سيما أنني لن أتزوج بك!»
«تقولين هذا الآن، ولكن إن لم تستطيعي إبطال اللعنة فلن يكون لديك خيار آخر، صحيح؟»
«… سأجد حلًّا ما. سأعرفك على ساحرة أخرى أو ما شابه.»
«واو. هذا أحد الحلول بالتأكيد…»
بتعبير آخر كانت تيناشا ستقدم مرشحة أخرى لتكون الملكة إلى أوسكار؛ فباستثناء ساحرة الصمت التي لعنته في المقام الأول كان هناك ثلاث أخريات.
دلكت تيناشا صدغيها ورأسها بين يديها قائلة: «إحداهن خطرة جدًا فهذا فاشل، وأخرى يستحيل التواصل معها، لكن الأخيرة قد تنجح؛ لديها الكثير من المشكلات من ناحية الشخصية لكنها جميلة جدًا، وأظن أنها ستعجب بك.»
«هل تظنين حقًا أني سأغير رأيي بعد أن وصفتها هكذا؟»
إنه ليس كما لو أن أوسكار لم يكن مهتمًا بالساحرات الأخريات، ولكن فقط كشخصيات تاريخية مشهورة. أما من ناحية الزواج فبالنسبة له لم تكن هناك واحدة أكثر جاذبية من الساحرة الجالسة بجانبه.
أنهى أوسكار الحوار قائلًا بحزم: «لا حاجة لأن تعرفيني على أحد. أفضل الاستمتاع بوقتي وأنا أضايقك؛ لذا أنا بخير.»
صاحت تيناشا قائلة وهي تقوم من مكانها: «لا تضايقني أيها الأحمق! كن أكثر وعيًا بالمركز الذي أنت فيه!» ثم مشت لتعد الشاي، وأثناء ذلك جاء لازار والساحران كاڤ وسيلڤيا وبدأ الخمسة في الحديث.
«شبح في القلعة؟ جديًّا؟» كان أوسكار مشككًا في القصة التي ذكرها لازار.
قال لازار: «حتى الآن هي مجرد شائعة. عدد من الناس شاهدوا امرأة تبدو مبتلة بالكامل تمشي في الأروقة ليلًا، وبعد مرورها تكون الأرضية مبللة.»
علقت تيناشا بلا اهتمام: «يبدو هذا صعب التنظيف.» لكن سيلڤيا بدت شاحبة وخائفة. كانت الساحرة الجميلة غير جيدة مع قصص الأشباح على ما يظهر.
حدق كاڤ الجالس أمامها في فنجان الشاي خاصته، ثم رفع نظره وقال: «سمعت بهذا من ساحر آخر أيضًا. على ما يبدو نظرت الشبح إليه مباشرة دون أن تنطق بكلمة، فشعر بالخوف وأغلق عينيه لكن لم يحدث شيء. وعندما فتحهما لم يعد هناك أحد؛ رواق مبتل وحسب.»
«ااااه!» صاحت سيلڤيا وغطت أذنيها، ووضعت رأسها على المنضدة.
فربتت الساحرة على كتفها وقالت بابتسامة متألمة: «لا وجود للأشباح. الأرواح لديها نوع من الطاقة لكن بعد الموت تتبعثر بشكل طبيعي. يستحيل حتى على الساحرات الاحتفاظ بهيئة ووعي بعد الموت.»
«حقًا؟»
«حقًا. إن كان هناك بالفعل شيء يسير في الأروقة، فيمكنك أن تطمئني أنه ليس إنسانًا.»
«ااااه!» صرخت سيلڤيا. فعبست الساحرة وأخرجت لسانها بانزعاج.
اعترض أوسكار قائلًا: «ليس إنسانًا؟ إذا أتقولين أن شيئًا قد تسلل إلى القلعة؟»
«على الأرجح. قد تكون روحًا شيطانية أو نوعًا آخر من الشياطين. لكني لم أرها فلا يمكنني الجزم…»
«ما الفرق بين الروح الشيطانية والشيطان؟» طرح لازار الذي لم يكن ساحرًا هذا السؤال البسيط.
فأجابته تيناشا بابتسامة: «ليس هناك خط فاصل واضح بينهما، لكن بوجه عام الأرواح الشيطانية هي نباتات وحيوانات قد تحولت بعد اتصال مع سحر قوي أو بخار ضار، أو اكتساب دم شيطاني. هذه الأشياء عادة ما تسبب المشاكل للبشر. الوحش الشيطاني في دروزا القديمة هو مثال نادر لشيء نشأ من جوهرة، ولكن بشكل عام كان ذلك روحًا شيطانية أيضًا.»
فجأة رفعت تيناشا أصابعها في الهواء، فظهر ذئب فضي. وتثاءب ثم اختفى عن الأنظار مجددًا.
ثم تابعت تيناشا شرحها: «على الجانب الآخر، الشياطين هي نوع من المخلوقات التي كانت دائمًا كما هي. رؤية الشياطين شائعة جدًا، ونحن غالبًا نخلط بين أنواعها المتعددة مثل الأرواح المائية، والجنيات، والسقوبة. لكن من النادر رؤية الشياطين رفيعي المرتبة الحقيقيين، وهم مختلفون تمامًا عن مراتب الشياطين الذين يتعايشون مع البشر.»
أضاف كاڤ قائلًا: «في العصر المظلم، يظهر أن الشياطين رفيعي المرتبة كانوا يُعبَدون كآلهة. أشهرهم على الأرجح هو إله الماء من بحيرة نافيس. بالحديث عن الشياطين القوية التي تفاعلت مع البشر، أتساءل إن كانت أرواح تولدار الرمزية من بينها؟»
سأل أوسكار وهو يستذكر دروس التاريخ التي حضرها: «إمبراطورية السحر القديمة تولدار؟ تلك التي دُمرت بليلة واحدة؟» في حين جلس لازار هناك مذهولًا.
أومأ كاڤ بطريقة مطَّلعة وقال: «طبقًا للأسطورة، كان هناك اثنا عشر شيطانًا مختومين في تولدار. في ذلك الوقت كان يطلق عليهم الأرواح الرمزية. عندما كان الوريث الملكي يعتلي العرش ويصير الملك، كان يختار منهم من واحد إلى ثلاثة ليكونوا جنًّا له. لكن مع ذلك هذه مجرد حكاية قديمة، وغالبًا غير صحيحة. واقعيًّا تستحيل إمكانية استغلال ذلك العدد من الشياطين رفيعي المرتبة هكذا.»
أبدت تيناشا ابتسامة ساخرة وهي تستمع إلى درس التاريخ السحري، وقالت: «بالنسبة لذلك النوع من الكائنات فكلما ارتفعت مرتبتهم قل اهتمامهم بأمور البشر؛ فالفرق شاسع بين قواهم. فكروا في الأمر هكذا؛ هل ستقضون الكثير من الوقت مع حشرة؟» سألت الساحرة هذا بشكل عفوي، فتبادل الآخرون النظرات.
أثار ذلك فضول أوسكار فسألها: «ما الفرق بين قوتك وقوة أولئك الشياطين رفيعي المرتبة؟»
«يمكنني هزيمتهم بسهولة. ولكني سأواجه بعض الصعوبة ضد الأقوى بينهم.»
فقال أوسكار موبخًا لها: «هاي.» تعليق تيناشا كان في الواقع حيلة غير مباشرة لأولئك الحاضرين.
ضيقت الساحرة عينيها بابتهاج وابتسمت قائلة: «على أي حال، لذلك السبب لا أظن أن الذي شوهد في القلعة شيطان رفيع المرتبة. متأكدة أنني كنت سألاحظ إن تسلل شيء كذلك إلى الداخل.»
قال أوسكار: «أتساءل ما هو… على كلٍ سنبحث في الأمر لاحقًا.» ثم نظر إلى الساعة وقام واقفًا، وقال: «حان وقت العمل. تيناشا، ما هي خططك اليوم؟»
«سأذهب للتسوق لشراء ملابس جديدة. القديمة لم تعد تناسبني. سيلڤيا قالت أنها ستأخذني في جولة.»
«اوه أجل… أجل!» قالت سيلڤيا هذا بصوت صاخب، وبدا أنها تحاول التخلص من الخوف المستقر فيها.
انتبه كاڤ إلى مدى جمال الصورة التي ترسمها الفتاتان سوية، فهمس للازار: «هاتان الاثنتان تجذبان الأنظار حينما تكونان معًا.»
ربما سمع أوسكار ذلك وربما لا، لكنه التفت لينظر إليهما. كانت سيلڤيا لا تزال شاحبة الوجه، فقال لها: «اختاري شيئًا أبيض أو أسود.»
«حسنًا… لماذا؟»
«لأنني سأحب ذلك.»
ردت الساحرة بغضب: «من يهتم بذلك؟!» واستحضرت كرة ضوئية صغيرة في يدها اليمنى ورمتها على أوسكار وهو يغادر الغرفة. وقبل أن تصطدم كرة الضوء بظهر الأمير، صدها الحاجز الحامي الذي وضعته تيناشا عليه وبددها.
ضحك أوسكار دون أن يلتفت للوراء، ومشى على مهل لخارج الغرفة. عبست تيناشا، ومررت يدها خلال شعرها الأسود الطويل، ثم أشارت لسيلڤيا قائلة:
«هيا، فلنذهب. لا حاجة لأن تأخذي كلامه على محمل الجد. سأختار ملابسي بنفسي.»
«اه، حسنًا…»
خرجت تيناشا إلى الرواق ومددت ذراعيها. عندما كانت في هيئتها الأصغر سنًا كان جسمها يبدو في عمر السادسة عشرة تقريبًا، وحاليًا كان أقرب إلى التاسعة عشرة. لم تزدد في الطول كثيرًا، ولكنها أظهرت بعض المنحنيات الأنثوية الجديدة. نظرت تيناشا وهي ترتدي رداء السحرة إلى السماء المشمسة من النافذة، ثم قالت:
«فارساس حارة بشكل غريب، لذا ستكون هذه فرصة جيدة لشراء ملابس منعشة أكثر.»
ردت سيلڤيا بصوت منخفض: «يعتاد الشخص على درجة الحرارة مع العيش هنا بعد فترة …» كانت لا تزال تبدو مثبطة. ولاحظت أن تيناشا كانت تنظر إليها بعينين متسعتين، فلوحت بيدها أمام وجهها، ثم قالت:
«ام، أنا لست جيدة حقًا مع قصص الأشباح… أنا آسفة.»
«لا عليك. كل منا لديه شيء لا يجيد التعامل معه.» لوحت الساحرة بيدها بلا مبالاة.
فسألتها سيلڤيا: «هل لديك أيضًا يا سيدة تيناشا؟»
ردت تيناشا: «لا تناديني بذلك…»
بعيدًا من النافذة كان الجنود في ساحة التدريب. شاهدتهم تيناشا وهم يتبادلون الضربات بالسيوف، وعبست قائلة: «منذ وقت طويل، نعم، ولكن أظن أنني كلما عشت أكثر صرت بالية وحسب… حاليًا يمكنني القول أن الشيء الوحيد الذي أكرهه هو أن أُوضع على سرير.»
سألتها سيلڤيا وهي تميل رأسها في حيرة: «ما هذا؟ أتعنين مثل أن يضع الوالد طفله على السرير؟»
لكن الساحرة ابتسمت وحسب ولم تسترسل في الكلام، وبدلًا من ذلك ظهر تعبير متألم على وجهها من تذكرها لشيء آخر، ثم قالت: «وأنا لا أجيد التعامل مع أوسكار، لا أعرف فيما يفكر إطلاقًا. يبدو أنه يظنني قطة أو شيئًا التقطه من الشارع...»
مهما فكرت تيناشا في الأمر، كان هذا تمامًا كيف عاملها أوسكار. كان كما لو أنه رأى ساحرة كمجرد نوع آخر من القطط. لقد كانت على يقين أن نظرته ستتغير قليلًا بعد هزيمتها للوحش الشيطاني، ولكن لم يغير هذا الكثير في علاقتهما. الأمر برمته أشعر بإحباط شديد.
لم تخفِ تيناشا مشاعرها المرتبكة، وبدت سيلڤيا في حيرة من ما تقول، ثم قالت: «يبدو أنكما تنسجمان بشكل مثالي في نظري.»
تلعثمت الساحرة قائلة: «ما—؟ مثالي…؟» ثم صمتت وأظهرت تعبيرًا مستاءً جدًا، فانفجرت سيلڤيا بالضحك بابتهاج، وبدا أنها تمكنت من نسيان خوفها من شائعات الأشباح.
-----
«هناك شبح؟»
كان الطيف الغريب حديث القلعة ليومين أو ثلاثة. سادت الشائعات بين قوات الحامية، وجعلت الجندي الشاب سوزوتو يتوقف وهو يصقل سيفه وقال:
«شبح؟ هذه أول مرة أسمع بهذا.»
«بدأ يظهر فقط مؤخرًا بعد أن عدت من زيارة عائلتك.»
أومأ سوزوتو موافقًا له وقال: «اوه؟ هذا حديث إذًا.» منذ ثلاثة أيام فقط كان يزور والديه في شرق فارساس؛ كانت منطقة جميلة تحدها غابات وبحيرات. لكن بعد انضمامه إلى الجيش الملكي لم يعد للزيارة منذ ثلاث سنوات؛ فاستغل إجازته ليذهب لزيارة والديه، وليمر بقلعة قديمة قرب بحيرة بينما كان في المنطقة.
عندما عاد لصقل سلاحه، ضحك أحد الرجال بسخرية قائلًا: «صحيح، هل رأيت الساحرة؟ يا لجمالها، يا رجل. حسنًا، كانت جميلة بالفعل سابقًا أيضًا.»
«لم أرها منذ عودتي.»
اعتقد سوزوتو أنهم عنوا بقولهم "الساحرة" الساحرة الشابة التي كانت تأتي لتدريب المبارزة أحيانًا. قال ولي العهد أنه أحضر معه ساحرة متدربة من برج الساحرة، لكن الحقيقة أنها كانت الساحرة ذاتها.
كانت تجسيدًا للقوة التي لا تمتلكها سوى خمس في القارة بأكملها؛ كلام الحكايات الخيالية. كان غريبًا بالنسبة لسوزوتو أن يفكر أن شخصًا مثلها كان موجودًا حقًا ويعيش في القلعة ذاتها مثله. لكن كان هذا كل شيء، فلم تكن لديه نية في إشباع فضوله.
وعلى النقيض من سلوك سوزوتو غير المكترث، صار زملائه الجنود متحمسين وصاخبين. «يجب أن تراها. إنها التعريف المثالي للحسناء الفاتنة التي يمكنها جلب الدمار لدولة.»
«وسمو الأمير مولع بها أيضًا، لذا ستكون فارساس في قبضة الساحرة قريبًا.»
كان الجنود يثرثرون ويضحكون، ثم رفع سوزوتو نظره عن عمله أخيرًا ونظر إليهم ببرود قائلًا: «أنتم بغيضون. لقد تكلمتم معها عندما أتت، أليس كذلك؟ ألم تكن لطيفة كفاية؟»
«حسنًا، بلى ولكن…»
فجأة تلاشت الثرثرة الفارغة الطائشة، وفقدوا حماسهم السابق.
-----
رغم الحماية التي تقدمها القلعة، كانت أروقتها مظلمة ومخيفة بالليل. كان ضوء الشمعدانات المتباعدة بمسافة متساوية على طول الجدران يومض بشكل خافت، وألقى ظلين طويلين لشخصين وهما يشقان طريقهما عبر الرواق.
نظر لازار إلى سيده الذي كان يسبقه بخطوة، وقال: «ماذا ستفعل إن صادفت الشبح بسبب تأخرك في العمل حتى هذه الساعة…؟»
«قالت تيناشا أنه لا وجود للأشباح. إن كان هناك شيء فسيكون روحًا شيطانية.»
ابتلع لازار ريقه بسرعة وقال: «هذا أسوء…»
وضع أوسكار يده على مقبض سيف في خصره. كان يحمل سيفًا عاديًا للدفاع عن النفس، ففي الغالب لم يكن يحمل أكاشيا داخل القلعة، ولكن مع كل تلك الشائعات المنتشرة ربما حان الوقت ليفعل ذلك. وبينما كان يفكر في ذلك الأمر، شرع لازار مجددًا في إلقاء المزيد من التوبيخ قائلًا:
«أعني أنت دائمًا تحاول حل كل شيء بمفردك ولذلك آنسة تيناشا—» توقف لازار فجأة، وسمع أوسكار صوت سقوط صديقه على مقعدته.
قال أوسكار مازحًا: «لا تقع بلا سبب.»
«يبدو كأنني انزلقت على شيء…» قرب لازار الشمعة إلى يده التي لمست الأرض.
كان كفه مبللًا بوضوح، فاتسعت عينا أوسكار، وفتح لازار فمه ليصرخ لكن قبل أن يتمكن من ذلك، امتد ذراع بارد لامرأة من خلفه وسحبته بقوة إليها.
«تيناشا! استيقظي!»
كانت الساحرة نائمة في سريرها حينما دخل رجل فجأة وأمسك بيدها.
الغرف التي منحها الملك الحالي إياها كانت الغرف ذاتها التي استخدمتها عندما عاشت في فارساس المرة الماضية. وتحت أوامر ريجيوس ظل أثاثها تمامًا كما كان لأكثر من سبعين عامًا، وكان الآخرون يدخلونها فقط للتنظيف الدوري. حينما رأت تيناشا الأجنحة شعرت بفيض من المشاعر المعقدة المثارة بداخلها.
وبينما كان أوسكار يجرها، فركت عينيها الناعستين وقالت:
«ممم، أوسكار… ما الأمر؟»
ثم فتحت عينيها المظلمتين وإذا بها تجد أوسكار يحملها كطفلة بين ذراعيه. وأضفى ضوء القمر الداخل من النافذة بريقًا شاحبًا على وجهه.
أجاب أوسكار: «لازار… ميت؟»
عبست تيناشا قائلة: «لم هذا سؤال؟»
فهمت تيناشا في الحال، وحين وصولها مسرعة إلى الموقع بعد سماعها لما حدث كان هناك حشد صغير مجتمع. كان لازار مستلقيًا في زاوية في الرواق ومع أنه لم يكن لديه جروح خارجية إلا أنه بدا فاقد الوعي، وكان جسده باردًا كالثلج.
بمجرد أن لمحته تيناشا تمتمت قائلة: «لقد أُخذت روحه.»
فسألها أوسكار: «روحه…؟ هل يمكن إنقاذه؟» ثم عضت الساحرة شفتها، واستدعت سحرًا بين يديها، ثم وضعتهما على جسد لازار.
«سأحافظ على جسده ولكن… بعد ثلاثة أيام ستختفي روحه. يجب أن نستعيدها بسرعة.» طلبت تيناشا من الجنود المجاورين حمل لازار إلى غرفة أخرى.
«يمكنني القيام ببحث سريع، ولكن أنا واثقة أن روحه لم تعد في القلعة… بتعبير أبسط، شيء ما حملها بعيدًا. هل رأيتم الشبح؟»
تذكر أوسكار قائلًا: «رأيته. كانت امرأة ذات شعر أخضر وبشرة بيضاء مزرقة. لقد تفادت سيفي، كان يبدو كأنني أحاول اختراق الماء.»
«روح مائية إذًا…» أعادت تيناشا النظر فرأت بركة في الرواق، فعبست وقالت: «اذهب واسأل جميع من في القلعة إن كانوا بالقرب من أي مسطحات مائية مؤخرًا. الأرواح المائية لا تغادر بيوتها عادة. لا بد من وجود سبب لمجيئها إلى هنا.»
«عُلم.»
أسرعت الساحرة وراء لازار وهو يُحمل، وذهب أوسكار إلى الجهة المقابلة ليجمع أتباعه.
في تلك الساعة المتأخرة لم يكن في الحامية كثير من الجنود لكن تم إيقاظ كل من كان متواجدًا وسؤاله.
وبطبيعة الحال تم استدعاء سوزوتو أيضًا، وبعد أن ذكر شيئًا لألس أُرسل إلى مكان آخر في القلعة– منفصلًا عن زملائه الجنود.
في العادة لم يدخل سوزوتو القلعة بشكل لائق. عندما دخل هو وألس الغرفة التي قاده إليها كان أول ما لفت نظره هو السرير المحاذي للنافذة الأمامية، وبدا أن هناك شخص نائم عليه، وامرأة ذات شعر أسود مألوف كانت تقف بجانبه وظهرها لسوزوتو.
«… جيد. أنت هنا.» أتى صوت رجل على يمينه. وعرف سوزوتو هذا الصوت جيدًا، فانحنى احترامًا لتلك الجهة.
قال أوسكار وهو جالس على كرسي: «تحدث إذًا.»
«حـ-حاضر، يا سمو الأمير. منذ بضعة أيام عندما عدت لزيارة والدي، توقفت عند بحيرة مجاورة. وبينما كنت أتجول لاستكشافها، وجدت نافورة مياه جافة بالقرب. كان هناك حجر يسد صنبور المياه لذلك—»
«أزلته.» أنهى أوسكار الجملة.
«أجل.»
«هل حدث أي شيء غريب بعد ذلك؟»
«لا، لا شيء. خرج قليل من الماء وتناثر على يدي. هذا كل شيء.»
شابك أوسكار ذراعيه ونظر بطرف عينه إلى النافذة، وقال: «تيناشا، ما رأيك؟»
أجابت تيناشا: «أعتقد أن هذا ما سببه.» واستدارت لهم، فذُهل سوزوتو عندما رآها. شعرها الأسود الحريري، وبشرتها البيضاء الخزفية، وعيناها داكنتا اللون ملأت الغرفة المظلمة بجاذبية غريبة.
بدا جمالها السماوي كأنه التجسيد المثالي لليلة مقمرة ناصعة الزرقة. فهم سوزوتو لمَ أثار زملائه ضجة بشأنها.
ثم أوضحت الساحرة قائلة: «كانت النافورة في الأصل متصلة بقاع البحيرة حيث كانت تسكن روح مائية. الحجر كان يختمها.»
سأل أوسكار: «إذًا عندما أُزيل الختم انفتح لقاع البحيرة؟»
«على الأرجح جاءت إلى هنا عن طريق الماء الذي تناثر على سوزوتو. لكني لا أعلم لم أخذت لازار.»
ارتبك سوزوتو للحظة حينما سمع اسمه، وتذكر أن هذه كانت الفتاة ذاتها التي كانت تحضر التدريبات القتالية معه. وشعر برجة من الخوف عند ذكر اسم لازار المفاجئ.
ثم سأل بتوتر: «ام… هل فعلت شيئًا سيئًا...؟»
رد أوسكار: «سأشرح لك الأمر فيما بعد. الآن يجب علينا أن نخرج. أنت سترشدنا إلى تلك البحيرة.»
انحنى سوزوتو وقال: «حـ-حاضر!» وغادر الغرفة مع ألس.
ثم وقف أوسكار واتجه إلى السرير لينظر لوجه لازار. كان صديق طفولته لا يزال في نومه الغريب الشبيه بالموت.
تمتم أوسكار قائلًا: «اصمد يا صديقي. سأجد حلًّا.»
كان صوته خافتًا جدًا لدرجة أن تيناشا نظرت إليه بقلق، وقالت: «ستذهب؟»
فسألها أوسكار: «من غيري سيفعل؟»
نظرت الساحرة إلى أكاشيا المعلق في خصر أوسكار وتنهدت قليلًا، وقالت: «حاجزك الحامي لا يمكنه حمايتك من التعاويذ النفسية التي تستخدمها الجنيات والأرواح الشيطانة، لذا كن حذرًا. ثق بحواسك، ولا تقع فريسة للأوهام. و…» تباطأ كلامها.
فسأل أوسكار: «ماذا؟»
ترددت تيناشا لمدة وفي النهاية قالت: «إن كانت حياتك في خطر، فأنا حاميتك وسآتي لمساعدتك. وفي حالة كتلك لن أقدر على الحفاظ على حياة لازار… هل تفهم؟»
لم يظهر أوسكار أي اختلال في عزمه، ونظر إليها وربت على رأسها قائلًا: «نعم. لذا لا تحزني هكذا.»
بدت تيناشا مكتئبة للغاية وتقريبًا على وشك البكاء، مع ذلك لم تقل شيئًا وأبدت ابتسامة صغيرة.
قال أوسكار بحزم: «سيكون هذا سهلًا.» وأبعد نظره عن وجه لازار الشاحب ثم غادر الغرفة.
تحت ضوء القمر ترك أوسكار وألس ودون وسوزوتو القلعة على أظهر الجياد، وقاد سوزوتو في المقدمة متجهًا شرقًا. كانت البحيرة المقصودة على بعد ثلاث ساعات عادة، وساعتين إن أسرعوا.
عندما خرجوا من القلعة هوى شيء يشبه طائرًا عملاقًا من الظلام، فاستل أوسكار سيفه ثم لاحظ أنه نارك. صاح التنين واستقر على كتف أوسكار.
تلعثم سوزوتو قائلًا: «مـ-ما هذا؟» وكان يشير بخوف إلى أول تنين رآه.
فرك أوسكار رقبة نارك وقال: «إنه فقط شيء أرسلته قلوق معينة.»
لم توافق تيناشا على تسلل أوسكار من القلعة، وعلى الأغلب لم ترده أن يذهب بمفرده لمواجهة خصم قد لا يجدي معه حاجزها. حث أوسكار جواده على الإسراع، وحرص على حماية نارك من السقوط.
جرى الأربعة بجيادهم دون توقف، وحين وصولهم إلى ضفة البحيرة كان الفجر قد بزغ.
عندما توقفوا هناك، تعجب دون من المنظر الخلاب وقال: «هذا… مذهل.»
كانت الغابات تحد النصف الغربي من البحيرة الضخمة، وكان النصف الشرقي ينتهي إلى جرف تقع على قمته قلعة قديمة، وحدائق البناء المتهالك كانت تمتد لأسفل الجرف وتغمر النافورة جزئيًا. وكانت هناك أعمدة بيضاء خارجة من الماء مما أضفى على المكان حسًا روحيًا.
أمام مشهد باهر كهذا قال أوسكار ببساطة: «تيناشا ستحب المكان هنا.»
فقال دون: «بما أننا هنا هل تود أن أسجل إحداثيات الانتقال يا سمو الأمير؟»
«سيكون هذا ذا فائدة حقًا. شكرًا لك.»
بدأ دون في تلاوة تعويذة لمعرفة الإحداثيات، في حين حدق سوزوتو بحدة في البحيرة وقال:
«عـ-عندما جئت إلى هنا سابقًا لم تكن الحدائق غارقة في البحيرة هكذا…»
«…»
كان الثلاثة صامتين، فأدرك سوزوتو مدى خطورة الخطأ الذي ارتكبه.
في ذلك الوقت لم يفكر كثيرًا فيما يفعله. كان الحجر العالق في النافورة يزعجه لسبب ما، وكل ما أراد فعله هو إزالته وجعل النافورة جميلة مجددًا.
بدا أن أوسكار فهم مشاعر تابعه، فترجل عن جواده وقال لطمأنته: «لا تقلق. سنجد حلًا للأمر. هل نبدأ بالغوص في البحيرة؟»
قال دون: «لا، أشعر بسحر قوي آتٍ من الغابة المجاورة. فلنبدأ من هناك.» نزل نارك عن كتف أوسكار وطار تجاه الغابة، كما لو كان يؤكد على صحة هاجس الساحر، وتبعه البشر سيرًا على الأقدام.
كانت الغابة كثيفة ومظلمة؛ فبالكاد اخترقت أشعة الشمس المشرقة الجو الكئيب تحت غطائها الشجري. لم يتبع نارك طريقًا وهو يرفرف بين الأشجار. ولتأمين طريق عودة قابل للتقفي قاد ألس المجموعة، ومهد السبيل بسيفه خلال سيرهم.
«سمو الأمير، انتبه لخطواتك رجاءً.»
علق دون قائلًا: «هذا السحر قوي جدًا… تقريبًا كالضباب.» لكن الثلاثة الآخرين لم يفهموا تعليقه لكونهم ليسوا سحرة. بينما كانوا يحذرون بعضهم بعدم الانفصال، توغلوا أعمق في الغابة.
نظر أوسكار إلى الأشجار النامية بكثافة فوق رأسه، وسأل سوزوتو: «هذه القلعة كانت ملكًا لسيد منذ القِدم، أليس كذلك؟ هل هي مهجورة الآن؟»
فأوضح سوزوتو قائلًا: «الناس الذين يعيشون في المنطقة لا يقتربون منها. منذ طفولتي وأنا أسمع كل أنواع القصص المروعة عن هذا المكان.»
سأل أوسكار: «مثل ماذا؟»
«هناك قصة عن فتاة تعيش في البحيرة. كان لدى السيد ابن، وعندما قابل الابن هذه الفتاة الجميلة طلب منها الزواج به، لكنها رفضت لأنها ليست بشرية. مع ذلك لم يستسلم الابن وتزوجها. ولكن بعد ذلك بفترة وجيزة وقع الابن في حب امرأة أخرى، وعادت الفتاة إلى البحيرة باكية.»
علق أوسكار: «ياله من كريه.»
وافقه سوزوتو قائلًا: «أوافقك الشعور…»
«لكن هممم، فتاة تعيش في البحيرة…» تفكر الأمير في الفكرة.
افترضت تيناشا أن الجاني روح مائية، وعند سماع أوسكار لهذه القصة الآن صار لديه سبب أكبر ليكون حذرًا. لسبب غير معلوم وضعت امرأة غير بشرية عينيها على لازار. وكان لديهم ثلاثة أيام لاستعادة روحه، لكن لم يمر حتى يوم واحد بعد. وعلى هذا الوضع الحالي شعر أوسكار بالثقة أنهم لن يفقدوا لازار.
كان أوسكار ولازار صديقين منذ الطفولة ترعرعا معًا في القلعة. وكانا يعرفان بعضهما أكثر من الإخوة. تذكر أوسكار كيف كان لازار دائمًا يبتسم ببراءة وهو يتبعه في الأرجاء. «لقد وقع حقًا في أسوء الأمور هذه المرة… لمَ يرافقني دائمًا…؟» تمتم أوسكار هذا لنفسه مستنكرًا لذاته، وكاد الندم أن يقطع نياط قلبه.
لازار الذي كان يخاف من الأشباح خُطف من قِبل أحدها تمامًا أمام عيني أوسكار، وعجز هو عن فعل أي شيء له. كزَّ الأمير على أسنانه غضبًا من نفسه.
وبينما كان مستغرقًا في التفكير اصطدم بنارك الذي استدار للخلف.
فقال بشكل تلقائي: «هاي، احذر.»
بعد أن نزع أوسكار التنين المتشبث من على وجهه، نظر حوله مرة أخرى فوجد أنه عند نقطة ما انفصل هو ونارك عن البقية.
«اه- اوه…»
لا شك أن شيئًا ما قد حدث، فانفصل الاثنان عن الآخرين حينما لم يكن أوسكار منتبهًا. كان ألس يزيل الشجيرات خلال تقدمهم، ولكن عندما نظر أوسكار للخلف لم يرَ سوى شجر كثيف ملتف.
«هذا ليس جيدًا… ألس سيكون بخير، لكن لست متأكدًا جدًا من الاثنين الآخرين.»
دون وسوزوتو كانا بارعين، لكن بدا أن أي شيء ممكن في مكان كهذا.
بينما تساءل أوسكار عن ما حلَّ برفاقه، استل سيفه لتمهيد الطريق. في الوقت الراهن سيستمر في التقدم في الجهة التي يوجهه نارك إليها. شعر أوسكار بالامتنان لامتلاكه تنينه الصغير كمرشد له.
فجأة سمع أوسكار صوت تناثر ماء عند قدميه، فنظر للأسفل ورأى أن كمية قليلة من الماء قد تجمعت بين الجذور الممتدة للأشجار، وبدا أن الأرض أمامه كانت تنغمر ببطء في البحيرة. تقدم أوسكار بحذر أكثر للأمام.
ثم شعر بشيء فأخفض رأسه بسرعة. وكما أشارت غريزته انطلق شيء مجهول من فوق رأسه من الخلف، ثم توقف على غصن أمامه وأصدر صوت صرير عالي النبرة. أمعن أوسكار النظر فيه ووجد أنه كان نوعًا من الجنيات ذات أجنحة خضراء، وكانت تشبه الخفاش. وأمكنه سماع صوت زقزقة جماعية آتية من وراءه أيضًا.
فهمس لنفسه: «إذًا قرروا كشف أنفسهم.»
أمسك أوسكار بأكاشيا على استعداد، وتفحص موضع أقدامه مجددًا من ناحية جذور الأشجار والأرض الغارقة. وبمجرد أن جهز نفسه طارت الجنيات نحوه.
في البداية رفع أوسكار يده اليسرى وحسب، وتمامًا قبل أن تصطدم الجنيات بها، إذا بحاجز الأمير الحامي يصدهن. فترنحت الجنيات في الهواء، وقضى أوسكار عليهن بسرعة إضافة إلى الجنية التي هاجمته سابقًا. ثم تراجع خطوة للوراء متفاديًا هجمة أخرى نحو جنبه، ولعدم إصابة تلك الجنية لهدفها طارت تجاه الأشجار. وأثناء ذلك هاجمته أخرى.
لم تكن هناك نهاية لوابل الهجمات، وأوسكار كان دومًا في الوضع الدفاعي. مشى الأمير بحذر في الغابة وهو يتفادى الجنيات والأغصان ويقضي على أيًا ما كان في طريقه. وكلما تقدم أعمق، علت المياه حتى صارت لا تغطي غير أطول الجذور.
حالما صار حذاء أوسكار العالي منغمرًا لم تعد الجنيات تلاحقه. وعندما توقف الأمير أخيرًا ليلتقط أنفاسه، وثب نارك من على كتفه وطار على مهل إلى الأمام.
«… دمِر الحاجز.»
كانت هذه مهمة التنين الأصلية. نفث نارك نارًا في الهواء امثالًا لأمر سيدته.
اشتعلت النيران في الغابة، وثارت الحرارة مما جعل سطح الماء يهتز. قطب أوسكار وجهه أمام الحمرة التي كانت تحرق عينيه. وسرعان ما انطفأ اللهب، وبعدها فوجئ بظهور فتحة غير طبيعية بين الأشجار.
كانت أغصان الأشجار في كلا الجانبين متشابكة، وكونت ما بدا تمامًا كباب صغير. لم يكن مثل أي باب قد رآه أوسكار من قبل فصاح متعجبًا قائلًا:
«واو! من أين أتى هذا؟»
لا شك أن هذا كان السحر النفسي الذي حذرته تيناشا بشأنه مرارًا. عبر أوسكار وهو مندهش من خلال الباب المصنوع من الأشجار، ووجد نفسه بداخل ساحة صغيرة خالية الأشجار. غطت الأرضَ المستوية طبقةُ من الماء الصافي قليل العمق، وأحاط الشجر بأوسكار من جميع الجوانب. وفوق لوح خشبي في المنتصف كانت تجلس امرأة جميلة ذات شعر أخضر وبجانبها صديق طفولته.
«لازار!»
التفت لازار ببطء عند سماع اسمه. بدا حقيقيًا بالكامل، لكن أوسكار كان يعلم أن جسده الحقيقي لا يزال ينتظر في القلعة. مع ذلك لم يسع الأمير سوى أن يمد يده لصديقه قائلًا: «جئت لاستعادتك. فلنذهب!»
تمتم لازار: «سمو الأمير…» وظهر القلق على وجه المرأة التي بجانبه، وكانت تلف ذراعيها شاحبتي الزرقة حوله. حدق لازار في وجه المرأة الحزين، وكان هناك هدوء في عينيه.
أعاد نظره إلى أوسكار، ثم أخفض نظره وهز رأسه قائلًا: «أعتذر بشدة لاظطرارك للمجيء كل هذه المسافة للبحث عني… لكني لن أرجع. أنا آسف.»
لم يتوقع أوسكار رد لازار على الإطلاق، ولوهلة شك في سمعه. ثم رد عابسًا: «ماذا؟ انتظر حتى يجتمع جسدك وروحك قبل أن تلقي الدعابات.»
كان أوسكار واثقًا أنها مزحة. وحتمًا لم يفهم لازار ورطته.
أخذ أوسكار خطوة للأمام ممسكًا بأكاشيا. فوجأت المرأة وتشبثت بلازار، فضم يدها مطمئنًا لها ثم نزل من على اللوح الخشبي، وتقدم للأمام حاميًا المرأة خلف ظهره.
«رجاءً انتظر يا سمو الأمير. لقد خانها خطيبها، وعدها بالزواج لكنه تزوج امرأة أخرى في النهاية…»
قطب أوسكار حاجبيه. إن كانت الحكاية الخيالية صحيحة فهو كان يتعاطف مع ما لاقته. لكن مهما كان ما عانته الروح المائية من ألم فلم يكن سببًا لخطف لازار، حتى لو كانت حقًا الضحية هنا. صديق الأمير كان يبالغ في الشفقة عليها وحسب.
قال أوسكار بغضب: «إذًا عليها أن تختطف ذلك الرجل بدلًا منك.»
«حدث هذا منذ مئات السنين. رأيتَ حال القلعة، صحيح؟ لقد مات منذ زمن لكن بالنسبة لها…» توقف لازار ونظر مجددًا إلى الروح المائية.
فبادلته النظر وابتسمت له. في ابتسامتها كانت تكمن عاطفة لطفل ضائع تم إيجاده أخيرًا، وكانت تناقض شخصيتها وروحها المنهكة من مئات السنين التي قضتها في البحث عن الرجل الذي أحبته، واشتاقت إليه، وكرهته، وانتظرته.
نظر لازار إلى ابتسامتها بإعجاب في عينيه. وأحس أوسكار بعطف لا يتزعزع من صديقه، لكنه شعر بالتوتر فقط.
قال أوسكار: «… ستموت إن بقيت هنا.»
لطالما علم أن طيبة قلب لازار ستقتله يومًا ما، لكنه كان يعتقد دائمًا أنه طالما كان بجانبه سيتمكن من منع هذا. لم يتخيل أبدًا أن لازار سيرفض مساعدته.
نظر لازار إلى سيده وأبدى ابتسامة مذنبة مثل التي كان غالبًا يظهرها في الماضي، وقال: «لا مانع لدي. لقد كانت وحيدة تمامًا لمئات السنين؛ تريد الموت لكن لا تستطيع… تريد قتله لكن أيضًا لا تريد… أريد إنقاذها. إن لم أقدر على ذلك، فعلى الأقل أحتاج أن أواسيها.»
كان جليًا أن لازار كان عازمًا على مساعدة هذه الروح المائية، لدرجة التضحية بحياته حتى. كانت هذه قوة شخصيته، والتي كانت بلا شك سبب انجذاب المرأة إليه.
بدأ أوسكار يشعر بالذعر، وقال: «لا تغتر بنفسك. هل هذا شيء عليك فعله حقًا؟»
رغم أن الكلمات كانت قاسية، ابتسم لازار وحسب وبادل أوسكار النظر، ثم سأله: «ألا تشعر بأي شيء عند النظر إليها يا سمو الأمير؟»
لم يكن لدى أوسكار أي فكرة عن ما عناه بالسؤال، وتفكر فيه للحظة قبل أن يفهمه.
وحيدة لمئات السنين.
إنسانة، ولكن أيضًا غير إنسانة.
لازار كان يلمح إلى أن هذه الروح المائية البائسة التي امتلكت قوة سحرية هائلة وعاشت وحيدة بالكامل… كانت تشبه ساحرة أوسكار.
تنهد أوسكار.
وأغلق عينيه.
في عقله تذكر الحزن الذي رآه في الساحرة في أعلى البرج، وابتسامتها الوحيدة قبل ذهابها إلى البحيرة السحرية. نادرًا ما كانت تيناشا تظهر مشاعرًا كهذه، ولهذا السبب كان أوسكار يراها كفتاة عادية تحتاج لمساعدته. كان على علم تام أنها لم تكن كذلك على الإطلاق بالطبع. تيناشا كانت مختلفة كثيرًا عن البشر العاديين.
فتح أوسكار عينيه وأحكم قبضته على أكاشيا. ومشى نحو المرأة التي كانت تنظر إليه ببراءة الأطفال في عينيها. ثم نظر سريعًا إلى لازار الواقف بجانبها، والذي بدا حزينًا بشكل لا يوصف.
كانت النظرة في عيني لازار شيئًا لن ينساه أوسكار لبقية حياته… لكن بعض الأمور لم تكن قابلة للنقاش.
«سأستمع لشكواك في القلعة.»
لم يكن هناك رد، وابتسمت المرأة بسعادة.
نهاية حكاية خيالية كانت دومًا مفاجئة وقاسية.
ثم رفع أوسكار سيفه.
-----
مجموعة من الناس كانت تنتظر عند بوابات القلعة عندما عاد الفريق.
كانت تيناشا ترتدي زي الساحرة خاصتها وحينما لمحت أوسكار أومات، ثم قالت مبتسمة: «عمل جيد هناك. عادت روحه على الفور.» ثم طار نارك إلى كتفها. بدا التنين الصغير فخورًا بنفسه، ففركت تيناشا رأسه الصغيرة.
ومن ناحية أخرى، أعطى ألس عنان فرسه لجندي، واشتكى قائلًا: «في تلك الأثناء كنت أذهب إلى النقطة ذاتها في الغابة مرارًا وتكرارًا… كنت على وشك البكاء.»
«لقد وقعت بسرعة في وهم.»
«اخخ…»
دون وسوزوتو اللذان عانيا من المصير ذاته كانا يبدوان محبطين على حد سواء.
عبر أوسكار عن امتنانه لجهودهم بقوله: «على أي حال، لقد أنقذناه. سأتكفل بالباقي، لذا اذهبوا لأخذ قسط من النوم. تيناشا، أين لازار؟»
أجابت: «في المكان ذاته الذي تركته فيه. سأمر لاحقًا أيضًا.»
«حسنًا.»
كان لا يزال هناك عمل على تيناشا فعله على ما يظهر. دندنت تعويذة وهي تغادر من بوابة القلعة، وشاهدها أوسكار تذهب ثم اتجه إلى غرفة لازار.
لم يتردد أوسكار وهو يمشي. لقد اختار هذا بنفسه، وإظهار الندم هنا كان سيثبت فقط أنه غير مناسب لإنقاذ الآخرين؛ لذلك دخل أوسكار إلى الغرفة التي كان فيها لازار، دون أدنى تغيير في تعبير وجهه.
لاحظه لازار يدخل، فنهض جالسًا على السرير وقال: «سمو الأمير…»
قال أوسكار: «بإمكانك أن تستلقي.»
كانت تحركات لازار لا تزال متزعزعة، على الأرجح نتيجة لأخذ روحه. ومع ذلك قام مترنحًا من السرير ليركع أمام أوسكار وطأطأ رأسه بشدة.
«أعتذر بشدة… على تصرفي.»
«أنا لا أنوي الاعتذار… وأنت لست بحاجة للاعتذار أيضًا.»
على الرغم من أنهما سارا دربًا متشابهًا، كانا شخصين مختلفين. كان أوسكار يعلم ذلك ولهذا كان يمكنهما أن يكونا صديقين.
لم يرفع لازار رأسه، وبدلًا من ذلك قال بنبرة باكية: «بدءًا من الغد… سأعود لخدمتك بكل ما لدي مرة أخرى.»
أمره أوسكار بشكل خشن: «استرح حتى تستعيد قوتك بالكامل.» ورغم صرامة الأمر كان صوت الأمير مصحوبًا بعاطفته تجاه لازار؛ العاطفة التي نادرًا ما أفصح عنها رغم قربهما.
قالت تيناشا: «لم يتعافى بالكامل بعد، لذا لا تزعجه.» عندما جاءت وهي تحمل صحنًا دائريًا، كان لازار نائمًا بالفعل مجددًا.
سأل أوسكار وهو ينظر إلى القماش المربوط على الصحن: «ماذا كنت تفعلين؟»
«أعزز الحماية في أرجاء القلعة. لم نتمكن من القبض على ذلك الساحر المريب، لذلك أود أن أمنع أي اقتحام آخر. طالما أنا هنا لن يتمكن أحد من الدخول إلى القلعة من أي مكان إلا من المدخل الرئيسي.»
قال أوسكار: «… نحن حقًا نزداد قوة في كل شيء بوجودك هنا…»
كم من التغيرات ستخضع لها القلعة خلال إقامة الساحرة؟ كان لدى أوسكار بعض المخاوف لكن لم يظهر أن أيًا منها كان مشكلة بالنسبة لتيناشا؛ لقد جعلت الأفعال تبدو بسيطة كإضافة السكر للشاي. كانت اعتيادية، وتنتهي في طرفة عين، ولا يبقى غير ذكراها، تمامًا كما غادرت القلعة منذ سبعين سنة مضت.
حدق أوسكار في حاميته، وقال: «متأكدة أنك لا تريدين الزواج بي والعيش هنا على الدوام؟»
ردت تيناشا: «أنا متأكدة!... من أين أتى هذا؟» وأحست بشيء مختلف عن ممازحة أوسكار الاعتيادية في كلماته.
نظر بإخلاص في عينيها قائلًا: «ألا تشعرين بالوحدة كونك عشت لمئات السنين بمفردك؟»
كان يأمل بسؤاله أن يجس أعمق جزء في الساحرة. ذُهلت تيناشا لثانية، ثم أبدت وجهًا ممتعضًا قائلة: «حسنًا، أنا وحيدة بعض الشيء، لكن لا مفر من هذا.» كانت النظرة في عينيها تتساءل ما الذي أثار سؤالًا كذلك.
وفي تلك العينين رأى أوسكار بعض الحزن والجفاء.
بخلاف الروح المائية التي اختفت في الغابة، لم تمتلك هذه الساحرة أحدًا لتخسره قط؛ لا أحد لتبقيه في قلبها للأبد، عاجزة عن نسيانه. ولهذا السبب كانت قادرة على المضي قدمًا لعصور وعصور، ليس معها سوى الجمال، والهدوء، والعزلة.
تيناشا كانت ترى حياة البشر سريعة الزوال كشيء بعيد. قد تشعر بالحزن لتوديعهم ومشاهدتهم يموتون، لكن هذا لم يكن كافيًا لأن يقودها للجنون. قوتها الهائلة، ووحدتها، وجفائها كانت هي ما جعلها ساحرة. وبلا ريب كانت على دراية بصلابتها هذه.
خاطبها أوسكار: «تيناشا.»
«نعم، ما الأمر؟»
«بإمكانك أن تأتي إليّ لأي سبب، في أي وقت.»
لو أتى يوم سئمت فيه تيناشا من رحيل كل شيء وتركها في حين تجمُد الوقت بالنسبة لها، أرادها أوسكار أن تعلم أنها تستطيع المجيء إليه. سوف يرحب بها كما كان يفعل دائمًا.
«إن قررت أنك تريدين شيئًا لن يتغير، أستطيع أن أكون ذلك لأجلك. أريدك أن تتذكري هذا.»
أجابت تيناشا بابتسامة عريضة: «بجدية، من أين أتى هذا؟ عنادك المستمر بدأ يقلقني حقًا.» كانت بشرتها شاحبة كما كانت دائمًا. وبدت الساحرة غير قادرة على التقيد بأي شيء.
شعر أوسكار برغبة مفاجئة في مد يده والإمساك بها.
تعليقات
إرسال تعليق