الفصل الثاني: (إشارات لا تُحصى للماضي)

أرجو عدم نشر ترجمتي للرواية دون إذن.
__________________________________
في الوقت الحالي، كانت القارة موطنًا لأربع دول قوية تُدعى الدول العِظام الأربع.
وكانت فارساس، كواحدة من هذه الأربع، هي الأرض الواسعة في مركز القارة.
تم تأسيسها خلال العصور المظلمة للقارة، وعلى نحو واسع كان يُنظر إليها على أنها قوة عسكرية؛ نظرًا لرمزها السيف الملكي أكاشيا، وأيضًا لفترة حكم الأسرة المالكة التي تواترت لسبع مائة عام.
حتى في وقت السلم، كان أولئك الذين يخدمون القلعة يقومون بتدريبات صارمة، ويتمرنون بشكل شبه يومي.
«… يا لهم من مجدِّين. لم يتغير شيء على الإطلاق.»
أبصرت تيناشا مضمار الجنود من الممشى المحاذي للجدران الخارجية للقلعة.
في ساحة فسيحة مفتوحة، كان الجنود يؤدون معارك تجريبية كجزء من تدريباتهم المعتادة على الأرجح. وبينما كان اثنان منهم يتبارزان وجهًا لوجه، احتشد البقية على الجانب لمراقبتهما.
شاهدتهم تيناشا وهي تتكأ على جدار حجري. رغم سهولة الخلط بينها وبين مجرد فتاة جميلة، فقد كانت في الحقيقة الساحرة المبجلة كأقوى واحدة في القارة بأكملها. ومنذ سبعين سنة، كانت هذه الحقيقة معروفة للجميع، إلا أنها عندما دخلت القلعة هذه المرة أخفت هويتها الحقيقية.
فمهما كانت شخصية تيناشا ذاتها، كان الناس يتجنبون الساحرات. حتى أنه قبل قرابة ثلاثة قرون استجلبت دولة صغيرة سخط إحداهن فدمرتها بين ليلة وضحاها؛ ولذا كان من المعقول أن يخاف عامة الناس منهن.
كانت تيناشا هي من اقترحت أن تتكتم على حقيقة من تكون، ووافق أوسكار؛ ومن ثمَّ كانت هويتها المصطنعة هي تلميذة الساحرة.
أصابعها البيضاء التي مررتها خلال شعرها كانت مزينة بعدة خواتم خاتمة للطاقة؛ حتى لا يلاحظ السحرة الآخرون سحرها. وكانت ترتدي أيضًا أقراطًا خاتمة للطاقة تحوي نقوشًا سحرية.
«ننغ…» هبت ريح قوية حاملة معها سحابة من الرمال إلى عيني تيناشا، ففركتهما بينما دمعتا، وحينها خاطبها شخص من الخلف.
«كنتِ هنا إذًا.»
التفت تيناشا فوجدت لازار يقف حاملًا كتابًا، فابتسمت وألقت التحية.
«مرحبًا، كنت أتمشَّى حول القلعة وحسب.»
«أجل، يمكنك رؤية أرض التدريب من هنا.»
وقف لازار بجانبها ونظر إلى التدريبات. ثم أشارت تيناشا إلى أحد الجنود الذين يتبارزون وقالت:
«هذا الشخص يواصل الفوز في كل المباريات. لا شك أنه قوي إلى حد كبير.»
«هذا هو الجنرال ألس. إنه صغير السن ولكنه أكثر الجنرالات نبوغًا. في الشهر الماضي، قاد فصيلة صغيرة وقضى على عصابة من لصوص الأسلحة.»
بدا المبارز ذو الشعر الأحمر حقًا في نفس عمر أوسكار، تمامًا كما قال لازار. قلب ألس يده اليمنى، فطار سيف الجندية التي كان يقاتلها في الهواء. ثم أمسكت خصمه الممشوق بمعصمها متألمة، وبدا أنها تقول شيئًا.
«لقد خسرت، ولكن يبدو أنها جيدة جدًا… أهي جندية منتظمة؟»
«اسمها ميريدينا، وهي تقاتل تحت قيادة الجنرال ألس. لكن أعتقد أنها ستقود وحدتها الخاصة قريبًا.»
«واو.»
ضيقت تيناشا عينيها لتنظر بدقة إلى الجندية إلا أن كل ما استطاعت رؤيته من هذه المسافة هو شعر المرأة الأشقر اللامع.
لم يكن في فارساس قيود على الجنس من ناحية الوظائف؛ فيمكن للمرء أن يعمل في أي وظيفة كانت طالما لديه الموهبة والرغبة. ولهذا لم تتفاجأ تيناشا كثيرًا من كون ميريدينا امرأة، مع أن وجود جندية موهوبة كهذه كان نادرًا.
ابتسم لازار وأضاف قائلًا: «قد تكون فظة بعض الشيء، ولكنها طيبة القلب.» بدا غير مدرك أنه في الواقع الأطيب هنا، فابتسمت تيناشا هي الأخرى.
علَّق لازار: «هل مشاهدة النزالات التجريبية ممتعة؟ ظننت أن السحرة لا يهتمون كثيرًا بهذا النوع من الأمور.»
«في الماضي، اعتدت على ممارسة المبارزة. كان لدي متسع من الوقت…»
اتسعت عينا لازار من الدهشة حين سماع ذلك، ثم نظر إلى بنيتها الصغيرة وقال: «هل أنت قوية في الواقع…؟»
«لا، لست كذلك. ولهذا لم أتمكن من إتقانها. فلنرى… على الأرجح قد أستطيع هزيمة تلك المرأة، ولكن ذلك الجنرال، همم… ربما لا، أعتقد أني سأخسر.»
كان صعبًا على لازار أن يحدد من نبرة تيناشا المرحة إن كانت جادة أم مازحة، وفي النهاية لم يطل في المسألة.
بالعودة إلى أرض التدريب، ألس كان ينازل جنديًا آخر. كان خصمه يتراجع في خوف، وكان هناك ما يشبه التهكمات آتية من الجنود المتجمعين حولهم. أحكم لازار قبضته على الكتاب الذي بين ذراعيه ثم قال: «إن سمو الأمير أقوى من الجنرال ألس.»
«حقًا؟» بدت تيناشا مندهشة، فاستدار لازار ليبادلها النظر.
«لمَ أنتِ متفاجئة هكذا؟ ليس هناك من هو أقوى منه في الدولة بأكملها؛ أعني، قبل بضعة أيام في البرج لقد… همم؟»
أمال لازار رأسه في حيرة. كان يعلم أن شيئًا قد حدث في برج الساحرة ولكن عندما حاول تذكره، وجد أنه لا يملك أي ذكريات جليَّة له بتاتًا. وفي الناحية الأخرى تجمد وجه تيناشا ولم تدرِ كيف ترد، ثم تساءلت جهرًا: «أقوى من ذلك الجنرال…؟ همم… حقًا؟»
«حقًا. لديه موهبة فطرية بالتأكيد، ولكن رغم مظهره، فهو في الوقع مجتهد جدًا في عمله. كان دائمًا حريصًا على دراسة أي مادة وهو سريع التعلم أيضًا.»
«واو…»
«لمَ تواصلين الرد هكذا؟»
«بلا–بلا سبب…» بدت تيناشا مستاءة، وعبست وشابكت ذراعيها قائلة: «هذا يجعلني أرغب في استلال سيف للمرة الأولى منذ فترة طويلة.»
سأل لازار: «ام… لماذا؟»
لم تجب تيناشا وأومأت برأسها لنفسها وحسب. بدأت بعض الشكوك تؤرق لازار نتيجة لرد فعل غير بيِِّن كهذا، بيد أنه كان يجب أن يذهب إلى المكتبة.
بقيت تيناشا وحدها عند جدران القلعة، ثم تمتمت لنفسها: «كما هو متوقع من بطل للبرج. علي أن أتوخي الحذر وأنا معه.»
ومع ذلك إذا أتت لحظة حاسمة فبإمكانها إجباره على الاستسلام؛ فهي ساحرة بعد كل شيء.
فكرت تيناشا في الأمر لبعض الوقت حتى تذكرت السيف الملكي، فتجهم وجهها وتنهدت.

كانت فارساس دافئة طيلة العام ولكن مع ذلك كان يأتي عليها صيف تكون أيامه أحرَّ من الباقي، ويستمر لشهرين كل عام، كما أن شتاءها كان معتدلًا جدًا. وصلت تيناشا تمامًا في أول الصيف، وكانت مدينة القلعة في انتظار مهرجان أيتيا المقبل؛ وهو احتفال بمعبود القارة.
ذات ليلة كان أوسكار يمشي في رواق وهو يقرأ رزمة سميكة من التقارير، فلمح فتاة ذات شعر أسود تقترب من الجهة الأخرى للرواق.
«اوه، إنها تيناشا.»
فقالت: «لم أرك منذ فترة.»
أسرعت الساحرة تجاه أوسكار عندما ناداها. وكانت صغيرة كما هي دائمًا، فربَّت على رأسها كما لو كانت طفلة صغيرة.
«مرَّ أسبوع تقريبًا. كيف هي القلعة؟ لم يضايقكِ أحد، أليس كذلك؟»
«أنا لست طفلة. كان الجميع لطيفين، رغم أنني حصلت على بعض التحديق.»
«لأننا لم نخفِ حقيقة أنك جئت من البرج. إذا واجهتكِ أي مشكلة، أعلميني.»
«أنا بخير.»
لم يظهر أن تيناشا متجهة إلى مكان محدد، فسارت على خطوة أوسكار، ثم قالت: «هل هذا عملك؟»
«أجل، بعض الأمور الدبلوماسية والتدبير الأمني للمهرجان. لم تكتمل بعد، وهناك بعض المشاكل.» تجهم أوسكار بينما يقلِّب حواشي رزمة الأوراق الضخمة. فاتسعت عينا تيناشا التي كانت بجانبه.
«أنت تفعل هذا أيضًا؟ ظننت أنك كنت تتسكع في القصر طوال اليوم وحسب.»
«أنت حقًا تقولين بعض الكلام الوقح بلا مبالاة، ألستِ كذلك؟… الشهر الماضي، توفي عمي رئيس الوزراء. لدينا نقص مؤقت بفريق العمل، وهذا عمل سيتوجب علي فعله في النهاية لذا لا أمانع.»
«أنا متفاجئة أنك دؤوب جدًا!»
«اسمعي هنا…»
وبينما تبادلا المزاح، وصلا إلى باب غرفة أوسكار. لقد كان منشغلًا جدًا لدرجة أنه تجاهل الساحرة لأسبوع كامل. ثم سألها: «ألديك بعض الوقت؟ أريد أن أسمع تقريرك عن ما اختبرته في هذا الأسبوع.»
«عندما تقولها بهذه الطريقة تجعلني أبدو وكأني جاسوستك… لم أجد أي أشخاص مشبوهين في القلعة.»
«فهمت… أردت فقط أن أسمع عن حياتك اليومية.»
لم يكن الاثنان متوافقان على الدوام عندما يتحدثان؛ كانت هذه حقيقة ثابتة منذ لحظة التقائهما. عند دخول الثنائي إلى الغرفة أعادت تيناشا صياغة إجابتها.
«أنا أقوم بعمل السحرة الملكيين العادي وحسب، هناك العديد من الوظائف المختلفة المنشورة في منطقة السحرة. أنا فقط أختار ما يعجبني منها وأنجزه. يمكنني أيضًا حضور المحاضرات بحرية، وإجراء الأبحاث؛ لذا فالأمر مسلٍ كثيرًا.»
أضاف أوسكار: «إجراء الأبحاث هو عمل السحرة بعد كل شيء.»
لهذا السبب كان يتم إمداد السحرة الملكيين بميزانية وفيرة نسبيًا، وفي المقابل كانوا يجمعون الوظائف داخل وخارج القلعة، ويقسِّمونها، ويعتنون بها. صنع الجرعات السحرية، والأدوية، والأدوات السحرية كان أيضًا جزءًا من مسؤولياتهم.
في الغرفة الواسعة طفت تيناشا في الهواء قليلًا وضمت ركبتيها.
«مع اقتراب المهرجان كُلفت بمهمة في ذلك اليوم. سأكون مسؤولة عن الإضاءة.»
سألها أوسكار بينما يتفحص مستندات خاصة بأمن المهرجان: «الإضاءة؟ ما الذي ستفعلينه؟»
سوف يتناوب الجنود على الحراسة خلال المهرجان، وقد كتب الجنرال إلى رئيس الوزراء تقريرًا يلخص دورياتهم ومواقعهم ليعتمدها. ولعدم وجود رئيس وزراء حاليًا كان أوسكار هو المسؤول عن الاعتماد النهائي.
صنعت تيناشا ضوءًا أبيض بين يديها وأرته لأوسكار قائلة: «سأصنع مصادر ضوء كهذه باستخدام السحر وأضعها في الخندق المائي للقلعة؛ مثل الأضواء تحت الماء. ألن تبدو جميلة عندما تكتمل؟»
«اه، إذًا هكذا تُصنع. لطالما اعتقدت أنهم يغمرون المصابيح أو ما شابه.»
«من الأسهل عملها بالسحر.»
طفت تيناشا عاليًا بما يكفي لتبلغ السقف، ثم قلبت نفسها رأسًا على عقب. 
نظر إليها أوسكار بانذهال وقال: «أنت فعلًا ساحرة
«أتقول ذلك الآن؟»
لم يسبق له أن رأى ساحرًا يرتفع في الهواء دون استخدام تعويذة، وسحر الطفو كان صعبًا جدًا في المقام الأول، بالإضافة إلى أن تيناشا كانت ترتدي حُليًّا خاتمة للسحر في كامل جسدها. بدأ القلق يساور أوسكار حيال إن كانت تيناشا تستطيع الحفاظ على قناعها.
طقطقت الساحرة أصابعها فأنار الشمعدان الذي على الحائط البعيد.
«ولكن لكي تحافظ على الضوء، يجب أن لا يخرج عن نطاق طاقة الملقي. السحرة العاديين بإمكانهم فقط إضاءة مصابيح محل أو اثنين على الأكثر.»
«ماذا عنك؟ هل يمكنك الحفاظ عليه مهما بعدتِ في المسافة؟»
«ممم، أستطيع المحافظة عليه من أي مكان في المدينة حتى بوجود الحليّ الخاتمة. أنوي استيعاب كل ما سيقدمه المهرجان!»
نظر أوسكار إلى وجه تيناشا المبتهج المبتسم، فشعر برغبة ملحة في العبث معها، فقال: «حسنًا، سأذهب لأتكلم مع رئيس السحرة وأكلفك بالمزيد من العمل المزعج لتفعليه.»
«توقف! سأبكي!»
تظاهر أوسكار بأنه سيغادر الغرفة فشدته تيناشا من سترته بيأس لتمنعه من الذهاب.
ثم أوضحت: «إنهم لا يثقون كثيرًا بالقادمين الجدد على أي حال، لذلك لم يعطوني وظيفة أهم من هذه.»
«حسنًا، أظن أن هذا صحيح. كنت أمزح وحسب على أي حال.» ابتسم أوسكار ابتسامة عريضة.
نفخت تيناشا خديها، ولكن أوسكار تجاهل ذلك وعاد ليجلس ويتفحص مستنداته الكثيرة. «تبدين متحمسة جدًا بشأنه. ألم تذهبي إلى مهرجان من قبل؟»
«هذه مرتي الأولى. في المرة السابقة وصلت بعد المهرجان مباشرة، وندمت على ذلك كثيرًا، لذلك لا أزال أتذكر الأمر بوضوح.»
«كان بإمكانك فقط العودة في وقت آخر بعد رحيلك.»
«لقد قطعت عهدًا بأن لا أرجع إلى فارساس إلى أن يموت ريج.»
 طفت تيناشا عاليًا نحو السقف مجددًا، وامتلأت حاشية ثوبها الأبيض بالهواء ورفرفت. رفع أوسكار نظره عن الأوراق ونظر إليها نظرة سريعة.
«لم تكن لدي أي رغبة في السؤال عن موته أيضًا، لذا بعد ذلك نسيت أمر المهرجان بأكمله.» ابتسمت تمامًا كفتاة شابة إلا أن تعبيرها كان به فتور غامض في المشاعر. وبينما كانت تهوي إلى الأسفل وهي في الهواء، بدت وكأنها سمكة جميلة قد حررت نفسها من كل شيء غير أنها تُركت وحيدة.
وعندما أوشك أوسكار على مناداة اسم تيناشا بلا تفكير، ربتت بقوة فجأة على كتفه بيدها.
«هذا صحيح. كان لدي أمر لمناقشته معك. إنه فقط لم يكن مهمًا، لذا نسيت.»
سألها أوسكار: «أمر لمناقشته؟ كيف لكِ أن تنسي بشأنه؟»
«إنه بشأن سلامتك.»
«سلامتي ليست مهمة؟!»
ردت تيناشا بامتعاض: «أنت قوي جدًا بالفعل…» وبدت منزعجة للغاية. ثم قالت: «على أي حال، لقد أبرمنا عقدًا وأنا أنوي الالتزام به. ولكن في يوم المهرجان سأكون منشغلة بالتجول في الأرجاء لذا دعني ألقي المزيد من السحر الوقائي عليك.»
«تسألين إن كان يمكنك أن تتكاسلي؟»
لم يكن أوسكار واثقًا إن كان هذا العرض محفَّزًا من قبل شيء ما، ولكن لم يبدُ كذلك؛ فليس الأمر وكأن أوسكار صعد إلى برج الساحرة سعيًا وراء الحماية على أي حال. رتب أوراقه ووضعها على المنضدة ثم نظر إليها.
«حسنًا، ما الذي يجب علي فعله؟»
«هذه التعويذة معقدة قليلًا لذا قمت بتجميعها مسبقًا.»
بنظرة سريعة وبشوشة هبطت تيناشا إلى الأسفل أمام أوسكار. بعد ذلك شابكت أصابعها العشرة معًا وضمت كفيها إلى بعضهما، ثم وضعتهما أمام عينيه. وفجأة طفت خمسة خواتم مصنوعة من خيوط حمراء رفيعة في الهواء بين أوسكار ويديّ تيناشا. كانت جميعها متشابكة بشكل معقد لا يمكن أن تُحل، وبعد برهة تحولت إلى ختم سحري عملاق.
بالكاد تمكن أوسكار من كبت صرخة تعجب من المشهد. وصدح صوت ترنيم الساحرة بأرجاء الغرفة.
«عسى أن يدوم هذا طيلة مدة العقد. فلتحدد ثلاث مرات وعالمَين…»
لم يحتج السحرة في العادة إلى التعاويذ في السحر البسيط.
وعندما كان سحر الطفو يمثل ما كان بسيطًا بالنسبة لتيناشا، فكل ما كان عليها فعله في السحر الذي يحتاج في الأصل إلى تعويذة هو التركيز أو التلويح بيديها. كانت هذه أول مرة سمعها أوسكار ترنم تعويذة.
ترتيل طويل كهذا عنى أن الساحرة كانت على وشك إلقاء شيء بالغ القوة.
«فلتُبَدد الكلمات التي يجب أن تدمَر من المنشأ، وما تكوَّن من المطر سيشتت معانيها… كل الدوائر ترجع كدوائر… امتثِل لقواعدي في كل ما قد يظهر.»
حينما انتهت ترنيمتها، الختم السحري المجدول بشكل ملتوٍ وكان يدور ببطء تلاقى في نقطة واندمج في جسد أوسكار. من دهشته قلب كفيه لينظر إلى الجانبين ولكن لم يرَ أي أثر للعلامة القرمزية.
«هذا مذهل.»
أوضحت تيناشا: «مم، يجب أن يكون هذا كافيًا. تأثيره شبه دائم.» ثم توقفت للحظة لتعدِّل تنفسها المضطرب، ثم تابعت قائلة: «هذا السحر سوف يبطل تقريبًا كل الهجمات القادمة دون اعتبار للفيزياء، ولكنه لن يحميك من أشياء كالسم والخدع العقلية، فكن حذرًا. سيتلاشى إذا مُتُّ أيضًا، ولكن من الناحية الأخرى فلا يمكن أن يلغيه أي أحد آخر طالما أنا على قيد الحياة.»
«هذا يبدو غالبًا كخدعة.»
بلا شك كان هناك بعض الناس الذين سيرغبون في دفع أي ثمن كان مقابل حماية مدهشة كهذه.
ولكنهم على الأغلب سيعيشون حياتهم كلها دون أن تُلقى عليهم تعويذة مثل هذه؛ وهذا ذكَّر أوسكار فجأة بمدى قوة الحليف التي امتلكها.
لكن تيناشا ابتسمت في وجهه المذهول وحسب، ثم مشت نحو الحائط وجلست على أريكة وقالت: «لقد أبرمت عقدًا مع ساحرة. يجب أن يكون هذا القدْر متوقعًا.»
اعترض أوسكار قائلا: «متوقع، هاه؟ … أردت منك الزواج بي وحسب.»
ردت الساحرة بنبرة غاضبة: «ألم أرفضك بالفعل؟!»
«حتى لو لم أمت فلا أزال بحاجة إلى وريث— وإلا سنكون جميعًا في مشكلة.»
كانت حجته منطقية، فبدت تيناشا منهزمة ولم تنظر إلى عينيه؛ فقد فهمت هذا أيضًا. ثم تنهدت قليلًا ووضعت ساقها الرفيعة على الأخرى، وقالت:
«عندما تقول أنك بحاجة إلى وريث وإلا ستكونون جميعًا في مشكلة… ألا يوجد آخرون ذو دم ملكي؟ ظننت أن لديك الكثير من الأقارب.»
«لدي، ولكنهم لا يملكون أي أطفال. عندما كنت في الرابعة أو الخامسة كانت هناك سلسلة غريبة من الاختطافات، وضاع العشرات في النهاية. كثير من أبناء أعمامي كانوا من بين من اختفوا. وحاليًا لا أملك أي قريب أصغر مني ذي دم ملكي.»
أخذ أوسكار إبريق الماء وصب منه في كوب، ثم شرب منه وهو ينظر إلي الساحرة التي بدت مندهشة. مع أنها كانت قد جلست للتو قامت وقفزت إليه، ثم قالت:
«هل وجدوا الفاعل وراء حالات الاختفاء تلك؟»
«لا، لا تزال لغزًا.»
«هل جاءت ساحرة الصمت قبل أم بعد ذلك؟»
«بعد أن مرضت أمي وماتت إذًا… أجل، بعد ذلك.» احتاج أوسكار إلى أن يفكر لبرهة حتى يعيد تجميع تلك التسجيلات الخاصة باستخدام ذكرياته من الطفولة.
وعندئذ اخترق رأسه ألم حاد.

صورة لساحرة
أمام القمر
لعنة
صوت
أظافر حادة
مُمزق إربًا
ملطخ بالدماء

فجأة تراءت له شظايا ذكريات عديمة الكلمات وصور عديمة الشكل، ولكن سرعان ما تلاشوا كما لو لم يكونوا هناك قط. هز أوسكار رأسه ليتخلص من الإحساس الغريب الذي اخترق ذهنه كالأشواك.
«ما الأمر؟»
«لا شيء… أنا بخير.»
«لا شك أنك متعب. يبدو أنك لم تنم منذ فترة.» كانت كلماتها تحمل شيئًا من القلق ثم مدت يدها ووضعتها على خده. لمستها الرطبة كانت مهدِّئة، وشعر أوسكار أن الإجهاد يزول من كتفيه.
أمسك أوسكار بيد تيناشا الصغيرة وابتسم قائلًا: «نمت ثلاث ساعات.» فنظرت إليه نظرة مرتعدة وقالت: «لا أعتقد أن هذا يُحتسب.» ثم شدت ذراعيه لتدفعه للوقوف، وبدأت بجرِّه إلى حجرة النوم. في العادة لا يمكن لذراعيها الرفيعين وجسمها الخفيف أن يزحزح أوسكار وهو بهذا الطول، ولكن لا بد أنها استخدمت السحر فقد حركته دون عناء، وفي نهاية المطاف كان جالسًا على السرير.
«هاي، لا يزال علي تنظيم أوراقي.» نظر إليها أوسكار من مكانه على السرير وبدا عليه الارتباك بوضوح. وكان على تيناشا أن تكبح نوبة من الضحك.
«إذا نلت قسطًا من النوم ستجد أن بإمكانك الانتهاء في وقت أقصر.»
«لا أعتقد ذلك…»
نقرت على جبينه وقالت: «ترى، ألا تشعر بالنعاس؟» 
وبمجرد أن أدرك أوسكار أنها فعلت شيئًا له، غطَّ في نوم عميق.

-----

«اختفاء الأطفال ولعنة لإنهاء السلالة…؟ أتساءل ما الذي حدث.»
عادت تيناشا إلى التفكير بعمق مجددًا بعد أن أجبرت الرجل الذي قد أبرمت معه عقدًا على النوم. بالنسبة لها ما حدث قبل خمسة عشر عامًا كان لا يزال حديثًا في ذاكرتها، ولكن على الأغلب بسبب أنها كانت قابعة في برجها لم يكن لديها أي علم بهذه الأحداث. بفضل الاختطافات وأفعال ساحرة الصمت كانت عائلة فارساس المالكة في خطر الاندثار.
لو كانت أي عائلة ملكية أخرى لكانت ببساطة تبنَّت طفلًا من قريب بعيد لجعله الوريث الجديد. ولكن لسوء الحظ لم يكن هذا الخيار ممكنًا في مملكة فارساس؛ فالسيف الملكي رمز الدولة لا يتم توارثه إلا عبر النسل المباشر.
«هذا موقف شائك للغاية…»
ما الذي كانت تفكر فيه ساحرة الصمت لتمنح هذه العائلة لعنة كهذه؟ كانت تيناشا مهتمة بمعرفة الأمر ولكنها علمت أن الساحرة الأخرى لم تكن لتخبرها بسهولة إذا سألتها. لو أرادت تيناشا حقًا أن تعرف سيتحتم عليها الاستعداد إما لأن تلقى حتفها أو لتقتل الساحرة الأخرى؛ وكلا الأمرين كان خارج نطاق هذا العقد.
ولهذا السبب سوف تحل تيناشا المشكلة الحالية بدلًا من التنقيب عن الماضي، وكانت واثقة أن قوتها جديرة بإنجاز هذا القدر.
أخرجت رزمة المستندات التي تركها أوسكار وطالعتها بسرعة. ووجدت فيها تعديلات هنا وهناك بدا أن الأمير الشاب قد كتبها بيده، فابتسمت وقالت: «إنه حقًا يبدو بارعًا جدًا. كما هو متوقع من شخص مجتهد.»
خلال حياة تيناشا الطويلة رأت العديد من صانعي القرارات إلا أن أوسكار كان لديه الإمكانية ليصبح حاكمًا أكثر حكمة من بينهم جميعًا، ولكن مع ذلك طالما كان ملعونًا فمستقبله يقع على عاتق حاميته تيناشا. انتهزت فرصة كونه نائمًا بالسحر فمسحت على رأسه بلطف، وهي تتصفح المستندات، وبعد أن رتبتها اختفت من الغرفة بلا صوت.

عندما استيقظ أوسكار كانت الساحرة قد غادرت بالفعل.
ونظر إلى الساعة فوجد أن ساعة واحدة قد مضت. ولكن لا شك أنه قد نام بعمق؛ لأنه ولسبب غامض شعر بانتعاش في ذهنه وبدنه. ثم جلس في سريره وهز رأسه بخفة.
وحينما نظر إلى المنضدة المجاورة رأى أوراقه موضوعة في رزمة.
مد يده ليفحصها فلاحظ ورقة جديدة مضافة إلى أعلاها. كانت الصفحة بوضوح مكتوبة بخط يد تيناشا؛ ولخصت فيها بدقة الأجزاء التي يجب أن يراجعها أوسكار إضافة إلى بعض النقاط الهامة الأخرى.
فتمتم قائلًا: «حقًا من الصعب فهمها.»
برغم أنها عاشت في انعزال فلديها معرفة جيدة بالعمل المكتبي على ما يبدو. شخر أوسكار قليلًا وألقى نظرة سريعة على الأوراق ثم حمل الرزمة وخرج من الغرفة.

-----

كان الجميع في القلعة ينجزون مهامهم التجهيزية؛ وما لبث أن حلَّ اليوم الكبير.
مدينة القلعة كانت مكتظة بالناس منذ بزوغ الفجر، وألحان موسيقى العازفين كانت تنساب من بين الحشود.
منظر المدينة كان أنيقًا بالمباني الحجرية التي تصطف فيها، وانكسر الضوء على اللافتات المعلقة المرصعة بالزجاج الملون، فكانت تتلألأ كقوس قزح، إضافة إلى احتشاد العديد من الأجانب عن فارساس في الشوارع التاريخية، مما زاد الصخب والضجيج في مدينة قلعة فارساس المزدهرة بالفعل.
كان هذا مهرجان أيتيا ال 187 في عام 526 من تاريخ فارساس.
قالت تيناشا لنفسها وهي تحمل قطة خزفية أمام عينيها: «هذا ممتع جدًا.» 
بعد أن قدم المهرجان أخيرًا خرجت تيناشا منذ الصباح لتستكشف المدينة بمفردها. كانت تتجول في الشوارع بابتهاج وزارت متاجر الكتب، وشاهدت الموسيقيين الجوالين. لقد مضى بضعة عقود منذ أن كانت في حشد كبير من الناس كهذا. بعد أن حصلت على القطة الخزفية كهدية ترويجية وضعتها في حقيبة صغيرة في خصرها.
كانت تيناشا تتمنى لو كان بإمكانها اللهو بقدر ما تريد ولكن طالما كانت تخدم القلعة فكان لديها عمل لفعله. عندما انتبهت إلى غروب الشمس عادت إلى خندق القلعة لتتولى مهمتها.
أحاطت أسوار وخندق بالقلعة الفخمة المبنية من المرمر، واصطفت أكشاك المهرجان في الشارع الذي أمام الخندق، حيث كان العديد من الناس يتجولون. فمرت تيناشا من بينهم ثم وقفت أمام الخندق مباشرة ورفعت يدًا.
«فلتضئ نورًا.»
كانت تعويذة سريعة من مجرد بضع كلمات. خرجت كرة ضوئية بيضاء من يد الساحرة وانغمرت في الماء، ثم انقسمت الكرة المشعة المغمورة إلى خمس كرات انتشرت في مواضع متساوية التباعد في الخندق. ترددت صيحات فرح المارِّين من الوميض الخافت الصادر من تحت الماء.
ويبدو أن السحرة الواقفين في المواضع الأخرى قد قاموا بإناراتهم في الوقت ذاته تقريبًا؛ لأن أسوار القلعة بدت فجأة مطلية بوهج مُزرق. نظرت تيناشا نظرة سريعة إلى الموضع المجاور لها، فلاحظها الساحر الواقف هناك واقترب منها وهو يلوح بيده، وكان يرتدي رداءًا.
«كيف سار الأمر؟ أنت مستجدة، أليس كذلك؟ ولكن يبدو أنك قمت بعمل جيد.»
«هذا بفضل إرشادات السحرة. شكرًا لك. امم…؟»
«أنا تيميس. سررت بلقائك.» مد الرجل يده اليمنى وكانت ذراعه مغطاة بأختام سحرية من العلامات سوداء. كانت تيناشا مندهشة في داخلها من ندرة هذه التصاميم، ولكنها ابتسمت في الظاهر وصافحته.
«أنا تيناشا. سررت بمعرفتك»
قال تيميس: «سأكون في هذه الأرجاء لفترة. أخبريني إن احتجت أي شيء.»
فأجابت: «سأفعل.»
لوَّح تيميس بودية ثم غادر. رغم أن الإنارة قد اكتملت إلا أن تيناشا كان عليها الحفاظ على استمرارها حتى وقت متأخر من الليل. وبينما كانت تشاهد الحشود التي بدت لا تحصى من المارة وتتساءل كيف تقضي وقتها، خاطبها صوت رجل مجهول من خلفها وقال:
«من الأفضل ألا تغادري. وإلا ستتورطين في أمر مزعج.»
«ماذا؟» انعطفت تيناشا بسرعة ولكن كل ما رأته هو حشود المحتفلين. لم تعرف من تحدث إليها أو إذا كان حقًا يتحدث إليها. ثم رأت شابًا يرتدي عباءة سفر يتراجع محاولًا الاختلاط بين الحشود، وكانت ترافقه فتاة ذات شعر فضي، وبمجرد أن لاحظتهما تيناشا سرعان ما اختفوا وسط الجموع الغفيرة من رواد المهرجان.
«… ساحر؟» لم تره سوى لوهلة ولكنها لاحظت أنه يكبح طاقته السحرية. رفعت إصبعها المزين بخاتَم خاتِم للطاقة إلى ذقنها، وفكرت للحظة في الذهاب لسؤاله ولكنها غيرت رأيها سريعًا.
«هذه فارساس على أي حال.»
كان هذا يوم احتفال في أشهر دولة في القارة بأكملها؛ لذا لا شك أنه سيكون هناك بعض غريبي الأطوار، وتيناشا ذاتها بصفتها ساحرة كانت الأغرب من بينهم جميعًا. ثم حزمت أمرها وتركت موضعها لتذهب لتتفقد كشك تنبعث منه رائحة زكية حلوة.

كانت التدابير الأمنية تعد أهم شيء خلال مهرجان جذب زوارًا من داخل الدولة وخارجها كهذا.
فكان على فريق الأمن أن يكون متيقظًا ولديه القدرة على اتخاذ القرارات بسرعة عالية سواءً كانوا حراسًا للأماكن أو لكبار الزوار، أو كانوا ينظمون الحركة المرورية في الشوارع. ولهذا السبب تحديدًا عيَّن أوسكار أولئك الذين أثبتوا جدارتهم في المعارك فقط.
وسط الهرج والمرج تذمر رجل يحمل سيفًا وقال: «المهرجانات ممتعة بلا شك. أود أن أحتسي شرابًا.»
«لدينا عمل.»
الرجل الطويل الذي كان يسير ببطء وسط الشوارع المزدحمة بدا مغايرًا تمامًا للمرأة ذات الهيئة المثالية التي بجانبه. بيد أن كلاهما امتلكا نفس القوام المصقول وكانا يشقان طريقهما من بين الحشود.
نمَّ الشعار الذي كان على خصر الرجل الطويل، والآخر الذي كان على صدر المرأة حسنة القوام عن انتمائهما للقلعة، وكان دليلًا على أنهما في رتبة أعلى من قائد. التفت الجنرال ألس الصغير الودود ذو الشعر الأحمر والوجه الطفولي إلى المرأة صديقة طفولته وسألها: «في الواقع، أين هو سمو الأمير؟»
ردت الضابطة ميريدينا التي لديها حق قيادة فصيلة، دون أن تقف وتنظر إلى ألس قائلة: «إنه يعمل في القلعة.» كانت تحظى بملامح جميلة ورقيقة؛ مما جعل شعرها الأشقر المقصوص بعناية حتى كتفيها هو الشيء الوحيد الذي أضفى عليها مظهر جندية.
قالت ميريدينا: «ليس لدينا أي زوار رسميين هذا العام؛ لذلك لم يتم تعيين كثير من الحراس لأشخاص معينين. كل ما علينا هو أداء دورياتنا جيدًا… هل تفهم؟»
ألس الذي كان يحدق في شرائح لحم الخنزير المملحة المشوية رفع كتفيه في استنكار عند سماع ذلك. رغم أنه وميريدينا نشآ في بلدة معًا إلا أنه غالبًا بسبب اختلاف شخصياتهما كانت لا تزال توبخه دائمًا.
ومع ذلك إذا كان هناك ترتيب للمشاغبين في القلعة فأوسكار كان مثيرًا للمتاعب أكثر بكثير من ألس؛ فولي العهد كان يهوى التجول بمفرده وكان يتسلل من القلعة بانتظام. رغم أنه يفترض به أن يكون داخل القلعة خلال الاحتفالات، فكونه حقًا سيظل هناك أم لا كان مسألة أخرى تمامًا.
سأل ألس: «هاي، أيوجد أحد مع سمو الأمير؟»
تباطأ مشي ميريدينا وقالت: «قال أنه لا يحتاج حراسًا. أتمنى لو يثق بنا أكثر قليلًا…».
فرفع ألس كتفيه وقال بلا مبالاة: «أعتقد أنه بحاجة إلى جليس أطفال أكثر من حارس… ولكن أجل، هو غالبًا لا يحتاج أحدًا لحمايته؛ فهو قوي.» ثم أدرك شيئًا فصفق يديه وقال: «اوه، هل أردت أن تكوني حارسته يا ميريدينا؟»
«لا، لم أقل ذلك.» عبست ميريدينا تمامًا كما كانت تفعل في طفولتها. وكان ألس يعلم أنها تكنّ مشاعرًا تجاه قائدهما ولي العهد.
بينما كانت النجوم واضحة في سماء الليل الساطعة مشى الثنائي في الشارع الرئيسي واقتربا من خندق القلعة.
اخترقت صرخة حادة الطنين الرنان لرواد المهرجان.
فهرع ألس وميريدينا نحو صوت المرأة العالي. كانت تضع يديها على حافة الخندق وتحدق في الماء قائلة:
«ابني… ابني قد…»
«هل سقط؟!»
نظرت إلى ألس بوجه بدا مستنذفًا من الدم وأومأت برأسها في صدمة وحسب.
«ألس!»
أمسكت ميريدينا بياقة قميصه، فخلع سترته ونزع حزام السيف، ثم غطس في الماء. رغم أن الماء كان مضاءً لأجل المهرجان إلا أنه كان لا يزال معتمًا وضبابيًا. ضيق ألس عينيه وسبح إلى قاع الخندق.
كان الخندق بعمق حوالي أربعة رجال، وعدم وجود تيار جعل السباحة أسهل، ولكنه أيضًا جعل الماء مكدرًا. حجبت كتل مضيئة من الوحل رؤية ألس، وبينما كان يبحث في الأنحاء بدأ الذعر يصيبه. عندما كان على وشك العودة إلى السطح ليلتقط أنفاسه…
فجأة تضخَّم حجم كرة مضيئة خافتة الوهج.
اتسعت الكرة بسرعة ملتهمة الظلام حتى صار مجال الرؤية تحت ماء الخندق يبدو تمامًا كالذي على الأرض في وضح النهار.
كان ألس في حيرة من ما رآه، إلا أنه استمر في البحث حتى رأى أخيرًا صبيًا في حوالي السنتين يطفو بعيدًا، فأمسك بجسد الطفل فاقد الوعي وشق طريقه نحو السطح، وعندما اخترق سطح الماء أخيرًا أخذ نفسًا عميقًا، وارتفعت هتافات الناس من حوله.
«ميريدينا، ساعدي.»
رفع ألس الصبي، فسحبته ميريدينا وبدأت تفحصه، ثم قالت مواسية لأم الطفل الشاحبة: «إنه بخير. قلبه ينبض ويبدو أنه لم يبتلع الكثير من الماء.»
«شـ-شكرًا جزيلًا لكما!» كانت المرأة تبكي وهي تشكرهما، وتحتضن ابنها. ثم هرع طبيب إليهم وسرعان ما غادر بصحبة الأم وطفلها؛ فكان من الأفضل أن يفحصه متخصص للاطمئنان على كل حال.
شاهدهم ألس يذهبون وهو يعتصر ملابسه المبتلة وقال: «اه… من الجيد أنني لم أشرب النبيذ…»
«بالطبع.»
«كانت الرؤية صعبة في الأسفل، فكنت قلقًا جدًا. اوه، في الواقع من الساحر الذي صنع هذه الأضواء؟»
«إنها أنا. أعتذر بشدة على إهمالي.» 
رفع أحدهم يدًا شاحبة من بين الحشد ردًّا على سؤال ألس الجهوري. ثم تقدمت تيناشا، وعندما لاحظها ألس أُصيب بالذهول لبرهة. ولفَّ خصلة مبتلة من شعره حول أصابعه،
ثم قال بعد لحظة: «اوه، لا… لم أقصد أنك كنت مهملة. لقد ساعدتني حقًا بجعلك الضوء أكثر سطوعًا. شكرًا لك.»
لم تقل تيناشا شيئًا وحنت رأسها. ثم نظر ألس وراء الفتاة فرأى أن الساحر ذا الرداء في الموقع المجاور لها قد لاحظ الجلبة؛ فلوَّح بيده المنقوشة بالأختام السحرية حينما التقت أعينهما.
حينما بدأ المتفرجون بالتفرُّق أخرجت ميريدينا حزام سيف ألس وقالت: «اذهب لتبديل ملابسك في الوقت الراهن.»
«أجل… حسنًا.»
انطلق ألس وميريدينا إلى غرفة الحراس. وعندما صارا على بعد مناسب من الخندق رفع ألس صوته قائلًا: «كان هذا صادمًا! من تلك الفتاة الجميلة؟ هل كانت في القلعة دائمًا…؟»
تمتمت ميريدينا بنبرة خافتة كما لو كانت تتحدث عن أمر مشؤوم: «إنها ساحرة كانت في برج الساحرة على ما يبدو. أحضرها سمو الأمير كمرافقة له.»
«اوه، صحيح! سمعت بشأن هذا، فهمت. لا عَجب إذًا.»
«لا عجب في ماذا؟»
هزَّ ألس رأسه لتتطاير قطرات الماء العالقة بشعره، ومسَّ رذاذ الماء ميريدينا فعبست وبدت منزعجة.
«لا، إنه فقط أنني لم أعتقد أن سمو الأمير كان من النوع الذي يلهو مع النساء لذلك تفاجأت عند سماع ذلك… ولكن في هذه الحالة هذا معقول تمامًا.»
قالت ميردينا بغضب: «ما هو المعقول تمامًا؟!»
مازحها ألس قائلًا: «هل تشعرين بالغيرة؟»
فضربته ميريدينا على ظهره بأقوى ما لديها.

-----

عندما حلَّ الليل على المهرجان طفت تيناشا في السماء فوق القلعة ونظرت إلى المدينة أسفلها.
كانت المدينة بأضوائها متعددة الألوان تشبه صندوق مجوهرات مفروش على قماش حالك السواد. نفخت تيناشا الهواء في الطائر الورقي الذي في يديها، وكانت حاشية ثوبها الأسود ترفرف مع النسيم. كان الطائر المطوي الصغير حلية تُباع في أحد أكشاك المهرجان، وكان جناحاه الأبيضان يهتزَّان قليلًا.
«تيناشا!» ناداها أوسكار من الأسفل. وعندما رأته يقف في ممشى القلعة هبطت إليه ببطء.
وقالت: «لديك نظر ثاقب.»
«كل ما حولك يبدو براقًّا وضبابيًا نوعًا ما.»
«ماذا؟ كيف؟» لم تستخدم تيناشا أي تمويه سحري ولكنها بدلت ملابسها إلى ثوب أسود كي لا تُرى بسهولة من الأرض. ثم نظرت باستغراب إلى ردائها، فضحك أوسكار ثم قال:
«واثقة أنك لا تريدين التجول في أنحاء المهرجان؟ كنت تتطلعين إليه كثيرًا.»
«لقد فعلت بالفعل. وأنا أحافظ على إنارتي أيضًا. وفي أثناء ذلك صنعت حاجزًا هوائيًا حتى لا يقع أحد في الخندق.»
«لماذا؟»
كان من الواضح أنه لم يُعلم أحد أوسكار بحادثة الخندق بعد. ثم لوَّح إلى الساحرة بلا مبالاة وقال: «لقد تمكنت من الوصول إلى نقطة توقف في عملي لذا فكرت في الخروج قليلًا. سآخذك في جولة في المدينة.»
«آمل حقًا أنك لا تحاول الهروب من القلعة وحسب. عليك ألا تفعل ذلك؛ هذا سيجعل التخطيط الأمني المتقدم الذي أعده الحراس يضيع هباءً.»
«أنا أهرب كل عام لذا لا بأس.»
«واو…»
فكرت تيناشا أن طبعيته المستهترة هذه على الأغلب هي ما قادته إلى برج الساحرة مع مرافق واحد فقط.
طفت بلا صوت نزولًا إلى جانب أوسكار، ثم نفخت الطائر الورقي مجددًا. لم تكن اللعبة غريبة في فارساس على الإطلاق، وكان أوسكار مستمتعًا بمشاهدتها تلعب بها، ثم قال:
«ماذا لديك؟»
قالت تيناشا: «كل الأطفال كانوا يلعبون بها فشعرت بالفضول. إنها مسلية.» ثم قبَّلت الطائر، وبطريقة ما منح هذا الفعل الحياة للعبة على ما يبدو. رفرف الطائر بجناحيه ثم طار بعيدًا نحو سماء الليل؛ وشاهدته تيناشا يحلِّق أبعد وأبعد، ثم خففت حدة بصرها وهي تتأمل المنظر الليلي.
«المدينة جميلة جدًا. وجود الآلاف من الناس تحت كل تلك الأضواء بالكاد يبدو حقيقيًا.» ابتسمت إليه ابتسامة صغيرة رقيقة. وأمرَّ أوسكار يده على شعرها ببطء.
ثم سألها: «أكان نزولك من البرج ذا قيمة؟»
فأجابت: «أجل.»
«إذًا هذا يسعدني.» كانت طريقة حديثه تجعله يبدو كأنه هو من يعتني بها. ضحكت تيناشا بخفة، وحاولت الطفو إلى الأعلى مجددًا، فمد أوسكار يده فجأة ليسحبها إلى الأسفل.
«هاي! ما الذي—؟» عندما بدأت تيناشا في التذمر لمحت لازار قادمًا ركضًا من وراء كتف أوسكار.
«سمو الأمير! لدينا مشكلة!»
تبادل أوسكار وتيناشا نظرات الحيرة من هيئة لازار المضطربة. وحينما لاحظ لازار تيناشا صاح قائلًا مندهشًا: «آنسة تيناشا! ذهبت إلى هنا إذًا! الجميع يبحث عنك!»
«ماذا؟» بدت تيناشا مرتبكة وآسفة، فربت أوسكار على كتفها.
«هذا ما تجنيه من اللهو في الأرجاء. أراهن أنك ستحصل على محاضرة.»
«لا وقت لذلك الآن! لقد قُتل شخص!»
«ماذا؟» ذُهل كل من أوسكار وتيناشا.

-----

قاد لازار الاثنين نحو زقاق خلفي نادرًا ما يعبر منه الناس. واستطاع أوسكار أن يرى مجموعة صغيرة من الجنود والسحرة في الضوء الخافت في الردب.
سأل الأمير: «هل بإمكاني رؤية الجثة؟»
«سمو الأمير… من هنا.»
برز رئيس السحرة الملكي كومو من بين الحشد. وأشار إلى أوسكار ليقترب، ثم رفع غطاءً أسود كان مبسوطًا على الأرض. ما كان يكمن تحته لم يعد من السهل تمييزه كإنسان؛ بل تم تحويله إلى كتلة متفحمة من اللحم.
«اغ…»
تراجع كل من وقعت عيناه على الجثة بدءًا من لازار، وغطوا أفواههم باستثناء أوسكار. قلَّ تركيز بصر تيناشا في حين تفحص أوسكار الجثة بهدوء.
ثم سأل أوسكار: «هل نعرف من هذا؟»
«إنه الساحر تيميس. ميزناه من حُليه؛ فلم تؤثر الحروق فيها.»
«اوه!» التفت الجميع إلى تيناشا عندما صرخت. ونظر أوسكار إلى الساحرة بتعبير مرتبك وسألها: «هل كنت تعرفينه؟»
«لقد كان في الموقع المجاور لي اليوم، وجاء لإلقاء التحية.»
«نعم، ولهذا السبب كنا نبحث عنك يا آنسة تيناشا. خلال الثلاث دقائق بين اختفاء أضواء تيميس واكتشاف جثته كانت أضواؤك متقدة ولكنك لم تكوني بقرب الخندق… إلى أين ذهبت خلال هذا الوقت تحديدًا؟» مع بدأ ضجيج المهرجان في الهدوء دوى سؤال كومو بثبات ووضوح.
انطفأت أضواء تيميس بعد فترة من إنقاذ الطفل من الخندق. وفي ذلك الحين ظهرت حبيبة تيميس عند الخندق لزيارته، إلا أنه لم يكن هناك. فحسبت أنه في مكان قريب حيث أن مناوبته لم تكن انتهت بعد، ولكنها لم تعثر عليه. وبعد ثلاث دقائق وُجدت جثته في زقاق لا يبعد كثيرًا عن الخندق.
سألت تيناشا: «أبدو مشبوهة بالكامل، أليس كذلك؟»
فأجاب أوسكار: «أنت أول مشتبه به على ما يبدو.»
تهامس أوسكار وتيناشا بصوت خافت وهما يسيران خلف السحرة والضباط الآخرين في طريقهم إلى قاعة الجلسات الملكية. رغم أن كلاهما اتفقا على أن تيناشا غالبًا موضع اشتباه، ولكن بشكل غريب لم يبدُ أوسكار قلقًا على الإطلاق لسبب ما.
«حسنًا، إذا صرنا في وضع حرج سنخبرهم بحقيقة من تكونين وحسب.»
«أظن أن هذا سيضعني في موقف أصعب من ما لو كنت الجانية الحقيقة…»
«لا بأس. سأحميك.»
مع أنها كانت حقًا ساحرة فقد توسل إليها أوسكار لتعود معه من برجها. ولم تكن لديه أي نية في تحميلها ذنبًا لا داعي له؛ فهي لم تبدُ من نوع الأشخاص الذين يؤذون الآخرين على أي حال. تيناشا كانت فتاة تبتهج من لعبة ورقية بسيطة؛ كانت هذه هي نظرة أوسكار تجاهها لدرجة كبيرة.
ربت أوسكار على رأس الساحرة كما لو كان يطمئنها؛ وهي حركة لا تخلتف عن ما قد يفعله شخص مع طفل. فنظرت تيناشا إليه شزرًا معترضة ولكنها لم تقل شيئًا.
بعد أن شق حشد الجنود والسحرة طريقهم خلال رواق طويل في القلعة؛ وصلوا إلى قاعة الجلسات. ثم دخلوا واصطفوا أمام العرش وطأطؤوا رؤوسهم. وقفت تيناشا في المنتصف، في حين وقف أوسكار بجانب كرسي الملك.
دخل الملك إلى الغرفة. كان ملكًا صغير السن نسبيًا؛ فقد كان يبلغ حوالي الخمسين من عمره. كان يشبه أوسكار بيد أن محياه كان ألطف. ورأت تيناشا في عينيه الهادئتين آثارًا من ريجيوس؛ الملك الذي قد أبرمت معه عقدًا في الماضي.
«إذًا أنت هي الساحرة التي أحضرها ابني.» حدق الملك في تيناشا بهدوء، وتلقت هي النظرة برزانة. «ألم نلتقِ في مكان ما من قبل؟»
فاجأ السؤال المباغت أوسكار وتيناشا على حين غرة، ولكن لم يُظهرا ذلك على وجهيهما. منذ أن غادرت ساحرة القمر اللازوردي فارساس منذ سبعين سنة لم تظهر للعيان مجددًا إلى الآن. فربما حكى ريجيوس لهذا الملك مرة قصة الساحرة التي قد أبرم عقدًا معها وقاتلت لأجله في المعركة. ولكن لم يكن هذا وقتًا مناسبًا للتفكير في هذه الأمور.
ابتسمت تيناشا لحاكم فارساس ابتسامة باهرة وقالت: «لا، هذه هي أول مرة نلتقي فيها. أُدعى تيناشا.» ووضعت ساقًا وراء الأخرى وانحنت احترامًا. فأثارت حركتها الراقية إعجاب الحضور جميعًا. كان الملك لا يزال مميلًا رأسه للجانب كما لو كان هناك أمر ما زال يزعجه، ولكنه لم يفصح عنه. وبدلًا من ذلك اكتفى بمعاينة كل الأشخاص الواقفين أمامه من اليمين إلى اليسار حتى أعاد نظره إلى تيناشا.
ثم سأل الملك: «لقد قُتل ساحر. هل كنت متورطة؟»
فأجابت في الحال وبصوت حازم: «لا، لا علاقة لي به.» 
بدأ الناس يتمتمون وسُمع صوت التنهدات من بين الحشد.
رفع الملك نظره إلى أوسكار الواقف بجانبه، وقال: «سأدع هذا لك. عيِّن فريقًا جيدًا لمساعدتك وتولى هذا الأمر.»
«عُلم.»
وقف الملك وخرج من الغرفة من باب خلفي، فانحنى كل الحضور من خلفه.


غادر أوسكار مع القضاة لتولي ما بقي من عمل المهرجان، في حين اجتمع ألس والآخرين المشتركين في القضية في غرفة أخرى. جلسوا حول طاولة وراجعوا حالة الجثة والتسلسل الزمني للأحداث في تتابع سريع.
تلقت تيناشا وهي محاطة في المنتصف الأسئلة القادمة ببساطة بلا إجفال ولا تحفظ. 
«ألا تعتقدين أنه من المريب للغاية أنك لم تكوني في موقعك؟»
«أين كنت؟ وماذا كنت تفعلين؟»
«وبالأحرى هل أنت قادرة على صنع سحر يخدم هذه القلعة؟ تلك الأضواء لم تكن مصابيح أو ما إلى ذلك، صحيح؟»
رفع ألس يده وتدخَّل قائلًا: «اوه، لقد كانت أضواءً سحرية؛ فقد نظرت إليهم عن قرب. أثناء كوني هناك، رأيتها تكبر وتزداد لمعانًا بقربي. لا شك في ذلك.»
كان هذا أول قول يقوله أحد دفاعًا عن تيناشا؛ مما جعل البقية عاجزين عن الكلام لوهلة. فأنهت ميريدينا الصمت المربك مضيفة: «عندما كان الطفل يغرق، كان تيميس لا يزال هناك.»
«اه، أجل. أتذكر رؤيته. كان يرتدي قلنسوته فلم أرى وجهه. ولكنه لوَّح لنا، وأنا واثق أني رأيت الأختام السحرية السوداء على ذراعه.»
«لـ- لكن مع ذلك، لو كانت تستخدم السحر للحفاظ على الأضواء فلا بد أن تكون بمكان قريب؛ وهذه هي المشكلة. ربما بادلت مكانها مع ساحر آخر؟»
كانت تيناشا تستمع إلى حديث الجماعة كما لو لم تكن معهم، وفجأة تذكرت شيئًا قد حدث عندما كانت بين الحشود.
«من الأفضل ألا تغادري. وإلا ستتورطين في أمر مزعج.»

إذا كان ذلك التحذير يعنيها فقد تطور الوضع تمامًا كما قال الشخص الغامض. ربما كان ذلك الساحر يعلم حتى أن تيميس سيُقتل. أخذت تيناشا تفكر بعمق وهي محاطة بنظرات الريبة.
«أنتم تتسرعون في الحكم. إنها ساحرة من البرج؛ فليس من المستبعد أنها تعلم أشياءً لا نعملها.» أدلى رئيس السحرة المُسِن كومو برأيه وهو يمسح على رأسه السمراء المحلوقة. ثم أمعن النظر في تيناشا وقال: «جعل الأضواء تكبر وتلمع بعد صنعها ليس بالأمر السهل في حد ذاته. تلك الكرات الضوئية صُنعت في الأساس بهدف الحفاظ عليها لعدة ساعات. وليس منا أحد قادر على تعديلها استجابة لحدث طارئ عداها؛ فلا يجب أن يكون مفاجئًا كونها تستطيع الحفاظ عليها من مكان بعيد أيضًا.»
تأثرت تيناشا قليلًا بسلوك الرجل المسن الأكثر ليونة. وكان كما توقعت من ساحر عُرف بحجر أساس فارساس لعقود. كان جني تيناشا أحيانًا يأتي إليها في برجها بقصص عن قوته وبعد نظره. في الوقت ذاته بدأت تيناشا تتساءل إلى أي مدى سيتوجب عليها الكشف عن نفسها.
وعندئذ فُتح الباب، ودخل أوسكار، ثم قال:
«ماذا حدث؟»
«كنا على وشك أن نسألها—»
«ماذا كنت تفعلين وأين؟!»
قاطع الساحر الذي كان تحت السيطرة سابقًا رد كومو فجأة ملحًّا على تيناشا لتجيب.
نظرت الساحرة بطرف عينيها السوداوين إلى الرجل الذي ثار. شيء عميق وغامض كان يكمن في تلك الأعين؛ فتصلب الرجل.
رد أوسكار على الفور: «كانت معي، ولازار رآها أيضًا.»
جعلت الحجة الغرفة بأكملها تهمس في الحال.
اتسعت عينا كومو وارتعش وجه ميريدينا للحظة. فلاحظ ألس حركتها السريعة وهز كتفيه.
أوسكار المسؤول عن الاهتياج في الغرفة اكتفى بالنظر إلى رعاياه بلا أي مبالاة بصدمتهم.
«لا تضيعوا الوقت في إلاصرار على أنها المذنبة. ليست من فعل ذلك؛ وأنا أجزم بذلك… تيناشا!»
«اه، أجل.» عبست الساحرة وقامت من مكانها، ثم أظهرت يديها المفتوحتين لجميع من في الغرفة وقالت: «كما قال السيد كومو، صحيح أنني استخدم نوعًا غريبًا إلى حد ما من السحر، وأنا جيدة بالأخص في الكرات الضوئية والسحر الروحي… ولهذا السبب بإمكاني فعل أشياء كهذه.»
أظهرت تيناشا كرة ضوء بين يديها. قفزت الكرة المضيئة إلى السقف، ثم انزلقت على النافذة، وخرجت من الفجوة، ثم طارت إلى سماء الليل. واستمر ضوؤها في التوهج حتى صارت بعيدة جدًا ولم يعد أحد منهم قادرًا على رؤيتها. فانفتحت أفواههم من الدهشة.
«كان تصرفًا غير مسؤول مني أن أترك موقعي. وأنا مدركة أنه لا مفر من شككم فيَّ بسبب ذلك. أنا حقًا آسفة بشدة.» حنت تيناشا رأسها للأسفل اعتذارًا. شاهدها كل من في الغرفة وغيروا أماكنهم بتوتر.
تغاضى أوسكار عن الأمر ثم خاطب ألس الوحيد الذي بدا غير متأثر.
وأمره: «ألس، أريدك أن تبحث في هذا الأمر. ميريدينا، فلتساعديه.» تبادل الجنديان النظرات ثم انحنيا احترامًا.

-----

بعد تلقي ألس وميريدينا الأوامر، اتجها إلى الزقاق لتفحصه مرة أخرى بعد منتصف الليل بقليل. وفي طريقهما وجدا مدينة القلعة خالية أكثر مما كانت. نظرت ميريدينا نظرة سريعة إلى القلعة خلفها، وبرزت هيئتها في ظلام الليل.
«أنحن متأكدون أنها لم تفعل ذلك؟ حتى لو صنعت تلك الأضواء حقًا، فقد تركت موقعها؛ وهذا يجعلها مريبة أكثر وحسب.»
سألها ألس: «إذًا أتعتقدين أن سمو الأمير تستَّر عليها يا ميريدينا؟»
بعيدًا عن المشاعر الشخصية، كان من الطبيعي لها أن تشك في تيناشا. هز ألس رأسه قليلًا وقال: «حسنًا، هذا محتمل بالتأكيد، ولكني لا أظن ذلك. لقد كانت مع سمو الأمير؛ فلازار أكد ذلك. ولكن أعترف أنني أشعر ببعض… القلق.»
التفت ميريدينا لتنظر إلى الجنرال وقالت: «قلق؟»
«إنه مجرد هاجس ولكن هناك شيء بشأنها يجعلني أفكر أنها… مخيفة.»
كلمات ألس كانت غريبة جدًا لدرجة أن ميردينا انفجرت بالضحك، ولكن سرعان ما أدركت أنه جاد، فحدقت فيه وسألته: «أنت جاد؟ لماذا؟»
«أجل. سابقًا، حاول أحد السحرة الاقتراب منها ولكنه تصلب في مكانه.»
«ماذا؟ أحدث هذا؟» يبدو أن ميريدينا لم تكن تنظر إلى تيناشا في ذلك الوقت، وغالبًا لم يلاحظ أحد آخر أيضًا.
أحسَّ ألس بضغط ينبعث من تيناشا؛ ضغط يشعر بأنه يخترق الجلد. بدا أن عينا الفتاة السوداوان حملا سكون الليل؛ والقوة الصادرة عنهما كانت حقيقية بلا شك. إذا أرادت تيناشا حقًا قتل أحد فلم يكن لدى ألس شك بأنها قادرة على ذلك مهما كان من أو أين؛ ولا كان لديه شك بأنها امتلكت القوة لفعلها في الخفاء أو في العلن.
«أتساءل إن كان سمو الأمير يعلم بشأن ذلك…»
بينما كان ألس غارقًا في التفكير لمح ساحرًا قادمًا من بعيد، فرفع رأسه. اقترب الساحر ذو القوام الصغير من الجنديين وانحنى لهما قائلًا:
«أعتذر على تأخري.»
اسمه كان كاڤ، وكان أول من فحص جثة الضحية. هو وكومو قد قاما للتو بتشريح الجثة. مشى بمحاذة ألس وميريدينا، وشرع في شرح نتائج التشريح.
«سبب الوفاة هو التسمم على ما يبدو. بعض القيء الذي لم يحترق بعد كان لا يزال في الزقاق، ولاحظنا وجود سم به. إنه نوع قديم من السموم السحرية يُعرف بليماث؛ وهو سائل عديم الطعم والرائحة. كل من يبتلعه يتقيأ وينزف من كامل جسده حتى يخرج الدم من أنفه، ثم يموت في دقائق معدودة.»
«هل من السهل الحصول على هذا السم؟»
«إنه شيء يمكن للمرء صنعه بالتعليمات الصحيحة. وربما يمكن إيجاده معروضًا للبيع في مكان ما، لكن ليس في فارساس.»
«إذًا على سبيل المثال، هل يستطيع أي ساحر لدينا صنعه؟»
«حوالي نصفنا يستطيع. ولكن مع أنني متخصص في الجرعات السحرية، فلن أستخدم ليماث إذا أردت قتل أحد؛ إنها جرعة قديمة يصعب الحصول على مكوناتها، وأداء العملية مرهق أيضًا. كما أن السحر المستخدم في صنعها يؤذي الصانع روحيًا. هناك جرعات أسهل بكثير في الوقت الحالي.»
«فهمت!» سوَّى ألس حاجبه المقطب بإصبعه ثم سأل كاڤ سؤالًا آخر: «إذًا ماذا عن كيفية تقطيع الضحية وحرقها؟»
«قُطعت أوصال الضحية بعد الموت. بُترت رأسه، وذراعاه، ورجلاه، وقُطع جذعه إلى نصفين. يبدو أن فأسًا أو أداة متأرجحة أخرى اُستخدمت لفصل الجسم. بعض الأطراف احتاجت لضربة واحدة وأخرى تطلبت عدة ضربات. بعد ذلك أُحرقت الجثة؛ غُطس بها في الزيت وأُشعلت النيران بها.»
«مروع.»
لم يكن في مسرح الجريمة سوى حراس الأمن، إلا أنه كان لا يزال قريبًا بما يكفي من المهرجان فحمل النسيم أصوات الضحك وموسيقى القيثارة من الشوارع المجاورة. لكن الجريمة حدثت في نقطة عمياء في ردب، ولا نوافذ تطل عليه؛ مما يعطيه جوًا منعزلًا عن الاحتفالات المحيطة به. وعند التمعن في الأرض المحترقة ما زال يمكن للشخص شم رائحة الموت تفوح بصمت في الهواء.
«من أول شخص وجد الجثة؟»
«واحد من سحرتنا، كان يبحث عن تيميس. وحبيبته وجدته أيضًا، وفقدت عقلها جزئيًا. هي تستريح في القلعة الآن.»
«بعد ما حدث معه، هذا معقول.» علقت ميريدينا وهي تحتضن ذراعيها كما لو أصيبت بالقشعريرة. ثم رفعت نظرها فوجدت أن ألس لم يعد بجانبها. لقد عاد إلى الخلف قليلًا وكان يختلس النظر إلى الشارع.
«ألس؟ ما الذي تنظر إليه؟»
«حسنًا… أود أن أنظر داخل الخندق أيضًا ولكنه مظلم الآن لذا علينا الانتظار حتى الغد. سنفحص الخندق، ونتحدث إلى بعض الناس، ثم نذهب لإبلاغ سمو الأمير.»
سألت ميريدينا: «مهلًا، هل تعرف الفاعل بالفعل؟»
رد الجنرال بسرعة: «كلا، على الإطلاق.»
بدا كاڤ وميريدينا محبطين، في حين رفع ألس نظره إلى السماء المرصعة بالنجوم وقال: «في رأيكما لم قد يقطع أحدهم أوصال جثة ويحرقها؟ أية أفكار؟»
«نوع من الطقوس؟»
«لأنه يضمر ضغينة؟» 
ميريدينا وكاڤ أجابا إجابتين مختلفتين في الوقت نفسه تمامًا، فهز ألس رأسه لكليهما.
«أشك بأنه إما مقايضة أجسام أو وسيلة سهلة للتخلص منه… حسنًا، فلنعد أدراجنا اليوم. حان موعد احتسائي لشراب ثم النوم.» حك ألس رقبته، ثم مشى على مهل بوتيرة سريعة. وسارعت ميريدينا للحاق به، وتبعهم كاڤ.
سألت ميريدينا: «هاي، من أي نوع من الأشخاص كان القتيل؟»
«تعنين تيميس؟ إذا كان علي أن أقول شيئًا… فقد كان رجلًا محظوظًا. كان سريع التعلم، وبارعًا في التعامل مع النساء. كان رجلًا ودودًا وأهلًا بالمسؤولية؛ فليس كما لو أنه كان مكروهًا.»
«مما يعني أن تحديد دافع سيكون صعبًا للغاية.»
أطلق ألس العنان لأفكاره وهو يمشي أمامهما. فسألت ميريدينا مضيفة لحبل أفكار صديقها: «ماذا عن ما بجانب شخصيته؟ أهناك أي أحد سيجني شيئًا من قتله؟»
«إذا كنا نتحدث عن من بداخل القلعة؛ فلا أظن أن أحدًا كان لديه فرصة لنيل شيء من موته. ففي المقام الأول كل السحرة الملكيين يبحثون في مجالات مختلفة... ولا نتنافس على الترقية أو ما إلى ذلك أيضًا.»
رغم أن كلًا من الجيش والسحرة كانوا يخدمون القلعة، إلا أن الجيش بتركيزه على السلوك الجماعي كان له ثقافة مختلفة كثيرًا عن السحرة الذين يركزون على السلوك الفردي.
سأل ألس: «ما الذي كان يبحث فيه تيميس؟»
فأوضح كاڤ: «البحيرات السحرية والسحر الروحي. وبالنسبة للبحيرات فقد عمل بشكل رئيسي في البحيرة التي في دروزا القديمة.»
«ما هي البحيرات السحرية؟ بحيرات تكونت من السحر؟»
«إنها تُسمى بالبحيرات ولكنها لا تحوي أي ماء فيها. هي أماكن تراكم السحر فيها بكثافة هائلة تحت الأرض. هنالك العديد منها موزعة في أنحاء القارة. والتركيز الرئيسي في بحث تيميس كان البحيرة السحرية في دروزا القديمة؛ حيث وقعت الحرب منذ سبعين سنة مضت. كان يذهب إلى هناك حوالي مرة كل شهر.» 
سألت ميريدينا: «الحرب… هناك قصص عن ساحرة قاتلت نوعًا من الوحوش الشيطانية خلال تلك المعركة، صحيح؟»
جزء لا يُنسى من التاريخ الفارساسي كان الحرب مع دروزا التي اندلعت منذ سبعين عامًا خلت. شنت دروزا هجومًا مفاجئًا بفوج من السحرة، وقواهم السحرية جعلت القتال صعبًا على جيش فارساس آنذاك. في وجه هجوم شرس كذاك تراجعت فارساس أمام الغزاة.
والأسوأ من ذلك كان سلاحًا سحريًا ضخمًا استجلبته دروزا يُعرف بوحش شيطاني؛ ظهر ذلك الوحش فجأة في الخطوط الأمامية وتباهى بقوة مدمرة كاسحة. سحق سلاح دروزا الجيش الفارساسي. وكانت فارساس في حيرة بالغة أمام هذا العدو الطاغي، وكل من جنرالاتها وسحرتها على حد سواء أُصيبوا باليأس.
لكن ريجيوس، الملك في وقت الحرب، استدعى أقوى ساحرة إلى الصفوف الأمامية؛ فلبَّت رغبة الشخص الذي أبرم عقدًا معها وأبادت الوحش السحري المروع. فهُزمت دروزا بخسارتها لأقوى أفضلية لديها، وانتصرت فارساس. بيد أن ذلك الانتصار كان له عواقبه؛ فبعد أن تكبدت فارساس تلك الخسائر الفادحة، استغرقت ثلاثين عامًا لتتعافى تمامًا. ودروزا المنهزمة، والتي كانت منذ البداية في خضم اضطراب سياسي، تدهورت بتسارع وانقسمت إلى أربع دويلات صغيرة.
عبس ألس عند ذكر المعركة التاريخية والسلاح السحري سيء السمعة، وقال: «ولكني سمعت شائعات بأن الوحش ليس ميتًا في الحقيقة. أليس من الخطر الذهاب إلى مكان كهذا؟»
فأوضح كاڤ: «لهذا السبب كان يذهب. إذا كان الختم الذي على الوحش الشيطاني حقًا على وشك الانحلال، ستظهر آثاره في البحيرة السحرية.»
علَّق ألس: «هممم… لو كان لهذا حقًا صلة بالقتل، فهذا يعقد الأمور حقًا. لا يمكنني حتى البدء في تخيل الجاني الآن.»
فردت ميريدينا على تعليقه: «بدوت واثقًا جدًا أنك تعرف الفاعل منذ لحظات.»
«لقد قلت فقط أنه مريب، وكنت أتحدث عن كيفية القتل وحسب. لا فكرة لدي عن الفاعل في الواقع.» رفع ألس كتفيه كما لو نفدت منه الأفكار.
تنهدت ميريدينا بغضب، ثم عادت إلى هدوئها والتفتت إلى كاڤ قائلة: «ماذا عن موضوع بحثه الآخر؛ السحر الروحي؟ هل كان ساحرًا روحيًا؟»
أجاب كاڤ: «لا، السحرة الروحيون نادرون للغاية، وفوق ذلك، هم منعزلون جدًا. لدينا الكثير من السحرة يستطيعون استخدام السحر الروحي، ولكن ليسوا سحرة روحيين أنقياء.»
فسأل ألس: «حقًا؟ ما الفرق؟»
أوضح كاڤ: «القوة السحرية مختلفة بالكامل. السحرة الروحيون بارعون في التحكم في الطبيعة. مجرد فصيلة منهم تعدل أكثر من جيش عادي.»
فقال ألس: «اوه يا للهول، هذا مذهل.»
«ولكن من ناحية أخرى، فتعدادهم قليل. بطبيعة الحال يجب أن يكونوا أنقياء؛ فهذا شرط لسحرهم، وإذا لم يعودوا أنقياء فسيفقدون طاقتهم. ولهذا يعيشون في مجموعات صغيرة منعزلة، ولا يختلطون غالبًا بالغرباء. من الجلي أن تيميس كان يجري تجاربًا من أجل تحليل سحرهم الروحي. الأختام السحرية على ذراعيه كانت سحرًا روحيًا أيضًا.»
«اه أجل، تلك. لقد كان شغوفًا ببحثه حقًا.» حينما تذكر ألس الأختام السحرية السوداء التي كانت تغطي ذراعي الرجل، وصل هو ورفيقيه إلى بوابة القلعة أخيرًا.
قال ألس: «سنعد تقريرنا ونبلغ سمو الأمير في الغد. شكرًا لتزويدنا بمعرفتك يا كاڤ.»
وبهذا ذهب كل منهم في طريقه.

-----

رائحة شاي زكية فاحت في حجرة المكتب الملكي. أعدته ساحرة؛ حامية ولي العهد تيناشا. وضعت فنجانًا على المكتب وهي تتذمر لنفسها قائلة: «نزلت من برجي، وإذا بي المتهمة في جريمة قتل… حقًا لا خير في كوني على الأرض...»
فقال أوسكار: «أنت لست الفاعلة، لذا تصرفي بثقة أكبر. إذا قال أحد شيئًا سأتعامل معه.»
«هذا سيضر بسمعتك وحسب.»
رغم أن أوسكار كان ولي العهد إلا أنه لو تجاوز الحد فغالبًا سيكون هناك رد فعل عنيف. تساءلت تيناشا إن كان يجب عليها فقط التلاعب بذكريات جميع المتورطين لكي تتجنب الأمر برمته. ومن جانب آخر كان لدى أوسكار كومة من العمل المكتبي لإنجازه بعد المهرجان، وبدا منشغلًا بالعمل في أمور لا تمت بصلة لقضية القتل. نظفت تيناشا أكواب الشاي، ثم وضعت ساقًا على ساق وطفت في منتصف الهواء.  
وقالت: «على أي حال، سأتولى مشاكلي الخاصة بنفسي. إذا كبر الأمر سأكون أنا من يضع حدًا له.»
خمن أوسكار باستهتار قائلًا: «لكن لدي شعور بأن الأمر سيصير فوضويًا إذا تركته لك. ستعدلين ذكريات الجميع أو ما شابه.»
ردت تيناشا بغضب: «كيف عرفت ما كنت أفكر فيه؟!»
«إذًا بإمكانك حقًا فعل ذلك…» بدا أوسكار منذهلًا، ولكنه لم يكن سيئًا كسبيل أخير. لم تحاول الساحرة التي تطفو في غرفته الإنكار، فأجفل.
ثم قال: «على كلٍ، أنا سأتولى الأمر؛ لذا لا تقومي بأي خطوة. لقد أبرمت العقد فعلي أن أتحمل تلك المسؤولية.»
«مسؤولية؟ سأكون هنا في القلعة لعام وحسب. لا أبالي إن ساءت سمعتي.»
«تقولين ذلك ولكنك ستكونين ملكة في المستقبل.» ذكَّر أوسكار الساحرة كما لو كان يؤنبها.
«لن أفعل! لا تختلق مستقبلًا لي!» أنكرت تيناشا الادعاء بكل إخلاص، وانفجر أوسكار بالضحك. فرفعت تيناشا عينيها منزعجة وقالت: «ما مدى جديتك في هذا الأمر على أي حال؟ إقحامي في مزحاتك يتعبني فرجاءً توقف.»
«لا تقلقي؛ فأنا جاد بشأن هذا كله. قد تكونين ساحرة ولكنك شخص جيد. لا أعتقد أنني سأملُّ للحظة بجانبك طوال حياتي. هذا مثالي.»
«هذا هو سببك؟»
لم تكن تيناشا تستمتع بملاحقة الناس لها بأعين مفعمة بالافتتان والتعبد. والسبب: «لأنه يبدو ممتعًا» بالكاد لطَّف الأمر أيضًا، بل في الحقيقة كان أسوء حتى؛ لأن تيناشا لم تكن لديها فكرة كيف ترفض شيئًا غير مألوف لهذه الدرجة. فشعرت بحيرة شديدة، وعاد أوسكار إلى عمله المكتبي.
ثم سألها وهو يكتب بعض الأشياء بسرعة: «على أي حال، هل لديك أية أفكار عن الجاني؟ أعني في جريمة القتل.» 
اعترفت تيناشا وهي لا تزال تطفو في الأعلى قائلة: «مم… هناك الكثير من الأشياء غير المنطقية. لا نملك أي دليل دامغ على أي حال، وسأبدو مثيرة للريبة إذا تدخلت كثيرًا.» ما كان يزعجها الآن هو التحذير الذي تلقته قبل أن يُقتل الساحر بفترة قصيرة فقط. ذلك الرجل الغامض قد يكون متورطًا ولكنه حظي بمتسع من الوقت للهروب من المدينة. ندمت تيناشا على عدم مطاردته.
ابتسم أوسكار كما لو استطاع رؤية كل ما كانت تفكر فيه الساحرة وقال: «حسنًا، يمكنك أن تثقي بي. لقد كلفت فريقًا كفءً بهذه القضية.»
«أنت مريع لتكليف ضباطك بحل لغز.» لم تكن تيناشا على يقين بأن أوسكار قد سمع ما قالته؛ فقد انفتح باب المكتب في الوقت ذاته بصوت عالٍ. تبادل أوسكار وتيناشا النظرات سريعًا، ثم نقرت تيناشا بإصبع يدها اليمنى– واختفت على الفور. على الأرجح قد ألقت سحرًا للاختفاء لتجنب الاستفسارات المعقدة. وتعجب أوسكار من شدة سرعتها في فعل ذلك.
دخل ألس إلى الغرفة ووقف أمام المكتب، ثم قدم ملخصًا للتحقيق. وبعد سماع أوسكار لفحوى الموضوع ابتسم بسخرية.
وسأله: «هل تعرف الفاعل؟»
فقال ألس بحزم: «نعرف كيف قتل نوعًا ما، ولكن ليس من.»
على نحو غريب، بدا أن إجابته سرَّت أوسكار أكثر حتى، فاتسعت ابتسامة الأمير.
«إذًا أخبرني كيف فعل الأمر. اوه، ولكن فقط عندما يكون الجميع هنا؛ أريد رؤية ردود أفعالهم.»
«عُلم.»
غادر ألس، ثم تحدث أوسكار إلى الغرفة التي بدت فارغة: «وهكذا سيسير الأمر. يجب أن تأتي أيضًا يا تيناشا.»
لم يتلقى أوسكار ردًا ولكنه شعر بأن بإمكانه الإحساس بتنهيدة بجانبه تمامًا، فضحك.

اجتمع جميع المتورطين في القضية في غرفة دراسية تستخدم في الأساس لممارسة السحر. ومن بين الحضور كان هناك أشخاص مقربون من القتيل أو كان لديهم علاقات غير مباشرة معه. لم يكن لتيميس أقرباء؛ فكانت حبيبته هي الوحيدة التي لا تعمل في القلعة من بينهم.
جلس أوسكار في أقصى الخلف، وجلس الباقون حوله في دائرة. ووقفت تيناشا خلفه خارج الدائرة حتى كادت تتكأ على الجدار. وفي الجهة المقابلة جلست حبيبة تيميس فيورا.
أوسكار الذي كان يترأس الجلسة نظر حول الجمع وقال: «حسنًا، يبدو أن الجميع حاضر. أود أن أسمع تقرير الجنرال ألس بشأن التحقيق، وأية أدلة حالية.» كانت مقدمة قصيرة؛ فأعطى أوسكار الكلمة سريعًا لألس الذي كان ينتظر بجانب الأمير. فتقدم ألس لداخل الدائرة، ثم قال:
«أولًا، سأعاود ذكر ما حدث في يوم الجريمة. بعد أن صنع تيميس كراته الضوئية للخندق، تحدث مع الآنسة تيناشا. وبعدها بفترة كاد طفل أن يغرق في الخندق في منطقة الآنسة تيناشا مما سبب ضجة صغيرة. وشوهد تيميس بالقرب منها، رغم أنني أعتقد أني الوحيد الذي لاحظته. أنا واثق أني رأيت ساحرًا يلوح لي من مسافة قريبة.»
رفع ألس يده اليمنى لإعادة تصوير حركة تيميس آنذاك.
«بعد ذلك جاءت هذه الشابة؛ الآنسة فيورا، ووجدت أن تيميس لم يكن في موقعه. فسألت السحرة المجاورين عنه، وعندما لاحظ الجميع غيابه كانت كراته الضوئية قد اختفت. وخلال البحث الذي تلا ذلك وُجدت جثة تيميس. تم تأكيد أنه قُتل تقريبًا في فترة الثلاثين دقيقة ما بين تلاشي كراته الضوئية واكتشاف جثته. وتبعًا لذلك اشتبه في الآنسة تيناشا التي كانت غائبة في تلك الفترة. ولكن هل يمكن حقًا قتل شخص وحرق جثته في غضون ثلاثين دقيقة؟»
تبادل ألس نظره مع كاڤ الذي ذهب إلى الغرفة المجاورة.
«بالتساؤل في ذلك، ذهبت للغوص في الخندق في المنطقة التي أوكلت إلى تيميس. لم أتصور أنني سأسبح في خندق القلعة ليومين متتاليين، ولكن دعوني أخبركم… أنها لم تكن رحلة بلا جدوى.»
عاد كاڤ وهو يحمل ما يبدو كمصباح عادي، وسمته المميزة الوحيدة كانت كونه محصورًا داخل كرة زجاجية كبيرة.
«وَجدت ستة من هذه موضوعة في قاع الخندق بمسافات منتظمة. يبدو أن الزجاج مصنوع بواسطة السحر؛ فبالطبع الكرة الضوئية العادية ستكون مغلقة وستعزل الماء واللهب معًا. ولكن لأنها مصنوعة من السحر فيمكن إضائتها من خارج الغلاف المحيط بها. أليس هذا صحيحًا يا سيد كومو؟»
«… أجل.»
«بالنظر إلى الهواء في الداخل والشمع، يظهر أن الشعلة ببساطة انطفأت بشكل طبيعي بعد انقضاء بعض الوقت. لم نتلقى أي تقارير تفيد بأن أضواء تيميس قد انطفأت واتقدت مجددًا؛ ولذا فالأضواء على الأرجح كانت هذه منذ البداية. تيميس قد قال للآنسة تيناشا: "سأكون في هذه الأرجاء لفترة" مما يعني أنه كان في الواقع يخطط لمغادرة موقعه في جزء من الوقت، رغم أنه كان يفترض به أن يكون هناك طوال المهرجان. لم تكن الآنسة تيناشا هي التي لم تستخدم السحر لمهمة الإنارة وإنما تيميس.»
صُدم كل من في الحشد. ووضع أوسكار ساقًا على ساق، واستمع وهو يراقب عن كثب ردود أفعالهم. وكانت تيناشا مغلقة عينيها مكتفية بالاستماع فقط.
«هذا الاكتشاف يُظهر لنا أن تيميس لم يكن في موقعه رغم اتقاد أضوائه، فمتى حدثت الجريمة إذًا؟ أود أن أطرح عليكم فرضيتي الشخصية إذا سمحتم.»
أغلق ألس عينيه لثانية، ورتب أفكاره ثم تابع قائلًا:
«القاتل على الأغلب كان لديه لقاء مُعد سلفًا مع تيميس؛ جهزا المصابيح في وقت مبكر ودفناها معًا. وبعد أن تظاهر تيميس بأنه صنع أضوائه السحرية ذهب لمقابلة القاتل، ثم سُمم في الزقاق. وبعد أن قُتل كان لا يزال هناك وقت قبل أن يحين موعد انطفاء الشموع. ولسوء حظ القاتل حدث أمر غير متوقع… وهو حادثة الطفل الذي كاد أن يغرق.»
نظر ألس سريعًا إلى ميريدينا، فاتسعت عيناها وانفتح فمها من الصدمة.
«فلنفترض أنه في ذلك الوقت كان تيميس ميتًا بالفعل. إذا انعطفت إلى زاوية الزقاق الذي وُجدت به الجثة، ستلمح الخندق على بعد قريب جدًا. اختار القاتل ذلك الزقاق غالبًا لهذا السبب بالتحديد؛ لقربه من الخندق… ولكن عندما سمع الجلبة التي حدثت لسقوط الطفل، على الأرجح أصيب بالذعر؛ فإذا غاص أحد وراء الطفل كان هناك احتمال أن يعلم أن كرات تيميس الضوئية لم تكن سحرية. حتى لو لم يلاحظ أحد فكان هناك أيضًا خطر ملاحظة أحدهم لاختفاء تيميس الجلي. ومن هنا ارتدى القاتل رداء تيميس بعجالة وذهب إلى الخندق، وهناك وجد أن الطفل لم يسقط في منطقة تيميس، فتظاهر أنه تيميس ولوَّح لي. علي أن أعترف أنها كانت طريقة ذكية لتحويل أزمة إلى فرصة.»
رفع كومو يده مقاطعًا لألس فالتفت الجميع إليه، وقال: «حسنًا، مهلًا. لا أنوي مقاطعتك يا جنرال ألس، ولكن القاتل رفع ذراعًا أليس كذلك؟ كان بإمكان أي ساحر أن يدرك أن العلامات ليست لتيميس. لم قد يعرض الجاني نفسه لخطر كذلك؟»
«هذا هو ما أقوله… لقد رفع ذراعًا، أوصال الجثة قد قُطعت، أتذكُر؟ جلب القاتل الذراع المقطوعة معه وخبأها تحت ردائه.» صُعق أغلب من في الغرفة من تصريح ألس. ذلك العنف المدبر صدم كل من في الغرفة الدراسية. واتسعت عينا ميريدينا الخضراوان وتنهدت بخفة.
«بعد ذلك رجع القاتل إلى مسرح الجريمة وأزال أعضاء تيميس الأخرى كي يخفي حقيقة أخذه لذراعه، ولجعل تحديد وقت الوفاة أصعب بناءً على جفاف الدم عندما وُجدت الجثة. وربما لجعل اكتشاف استخدامه للسم أكثر صعوبة، قام بغمر الجثة في الزيت وحرقها.»
نكس ألس بصره إلى الأرض وبدا غير مكترث نوعًا ما، ثم تابع قائلًا: 
«النظر إلى الأمر من هذا المنطلق يغير طريقة حصرنا للمشتبه بهم. أيًا كان من ارتكب ذلك لا بد أن يكون مقربًا من تيميس، وشخص كان عليه أن يكون غائبًا حتى تنطفئ أضواء تيميس المزيفة، وبعدها كان سريعًا في ادعاء حجة غياب لإخفاء آثاره. يمكننا التخمين بناءً على ذلك، ولكن هذا هو ما وصلت إليه من تحقيق وفكر شخصيين.» انحنى ألس لأوسكار ثم عاد إلى مقعده.
جو مليء بالشك حلَّ بالغرفة، ومن وسطه قال أوسكار: «شكرًا لعملك الشاق. هل لدى أحد أية أفكار؟»
احتد التوتر المربك بشدة، ولم يجرؤ أحد على ادعاء البراءة أو اتهام غيره.
حوَّل أوسكار بصره إلى شخص معين، كما لو كان يعلم الإجابة منذ البداية. بدءًا من منتصف تقرير ألس تقريبًا بدا هذا الشخص هادئًا بشكل غريب، وكان يحدق في بقعة واحدة على الأرض. وبينما كان أوسكار يفكر في كيفية طرح هذا الأمر، سمع صوت حاميته الرقيق من خلف مقعده.
سألت تيناشا: «أنت ساحرة روحية، ألست كذلك؟ أو على الأقل كنت كذلك على ما أظن. أنت من أعطى تيميس تلك العلامات، صحيح؟» فرفعت حبيبة تيميس فيورا رأسها.

الساحر الروحي كان نوعًا شديد الندرة. وحينما عرَّفت تيناشا فيورا كواحدة من هذا النوع، عم الضجيج في أرجاء الغرفة. كومو كان الوحيد الذي يلفظ بما يفكر به كل السحرة في الغرفة، فسأل تيناشا: «كيف لك أن تعرفي ذلك؟»
«أمكنني أن أعرف… لأنني ساحرة روحية أيضًا. أستطيع معرفة إن كان أحدهم ساحرًا روحيًا بالنظر إليه، حتى إن لم يعد كذلك. وأيضًا أختام تيميس السحرية كانت معقدة جدًا وصعبة التطبيق لدرجة أن متخصصًا في السحر الروحي وحده يمكنه صنعها. افترضت أن هناك ساحرًا روحيًا في القلعة وأنا لم أقابله بعد وحسب، لكن يبدو أنني أخطأت.» نظرت تيناشا تجاه فيورا بنظرة حزينة وقالت: «هل منحت عفتك وقوتك له؟ هل ندمت على ذلك؟»
نظرت فيورا إلى عينَي تيناشا المظلمتين مباشرة، وكانت عيناها تشع بنوع من العزيمة الجوفاء. بعد صمت طويل ابتسمت لتيناشا وبدأت في التحدث.
«لم أعتقد… لم أعتقد إطلاقًا أنني سأقابل ساحرًا روحيًا آخر بعد أن تركت الغابة وجئت إلى هذه الأرض الغريبة. لقد أسأت التقدير. لا بد أنك ساحرة روحية قوية إذا كنت تستطيعين تحديد نوعي بمجرد النظر إلي. آسفة لأنك صرت المتهمة الرئيسية.» كانت عينا فيورا هادئة كأكثر البحيرات سكونًا، وبداخلهما استسلام جلي اجتاح جسدها بأكمله؛ كاستسلام شخص طاعن في السن يعلم أن أجله قد حان وعلى استعداد للرحيل.
«أنا لا أنوي الحديث عن أغلب الأمر، ولن أحاول تبرير فعلي. أنا فقط… لم أستطع احتمال نظرة الاستهزاء في عينيه عندما لم أعد قادرة على استخدام السحر مجددًا. لم أستطع التعامل مع عقدة الاستعلاء لديه. وفي كل مرة نظرت إليه رأيت الحماية التي وضعتها عليه وأدركت كم كنت ضيقة الأفق… كرهت ذلك. قتلته لاعتزازي بنفسي، لا أكثر ولا أقل.» تحدثت فيورا كما لو كان لنفسها، غير راغبة في تفهم أحد لها ولا تعاطفهم.

-----

قالت ميريدينا: «إذًا في النهاية، قُطعت أوصال الجثة بعد حل حادثة الغرق.»
تجمع كل من ميريدينا وأوسكار وكومو وألس وتيناشا في غرفة مكتب ولي العهد. بعد انتهاء استجواب فيورا سُجنت مؤقتًا.
أضافت تيناشا الماء الساخن إلى إبريق الشاي، وردت على تعليق ميريدينا: «السحر الذي يصنع علامات كتلك- وهو لا يقتصر على السحر الروحي فقط- يستمر تأثيره طوال فترة حياة الملقي على أقل تقدير. في حالتها استمرت الأختام بالعمل حتى بعد أن فقدت سحرها الروحي، ولأنها هي من ألقتها فقد تمكنت على الأغلب من نقل جزء منها لجسدها، بالرغم من تلاشي سحرها.»
وبخت ميريدينا ألس قائلة: «لماذا لم تلاحظ أنها كانت ذراع امرأة؟» فتأوه متذمرًا.
تدخل كومو ليهدئ الموقف وقال: «العلامات على الذراع كانت الأكثر لفتًا للنظر فليس مفاجئًا أن هذا كل ما رآه ألس. كما أنه أيضًا رآها من مسافة.»
بينما أعاد أوسكار ساقه التي كانت على الأخرى إلى الأرض، أخذ طبق الحلوى من تيناشا وعلل قائلًا: «يستحيل أن تكون قد قطعت الذراع بعد ملاحظتها للجلبة عند الخندق؛ فلم يسع الوقت لذلك. أعتقد أن هذا يعني أن كل ما أعدته مسبقًا كان ما احتاجته لتحرق جثته لإخفاء حقيقة تلاشي علاماته.»
بدا ألس أكثر ارتباكًا وحيرة. وتجاهلته ميريدينا وواصلت أسئلتها قائلة: «إذًا لم مزقت الجثة؟ لو تركتها كما هي وحسب لربما نجحت بتقليدها له.»
فأدلت تيناشا بإجابتها قائلة: «أظن أن الأمر كله كان مجازفة بشأن نجاحها في الانتحال. هي لم تستطع استعادة المصابيح المغمورة في الماء، لذا لا شك أنها فكرت في احتمالية ملاحظة أحدهم أنها لم تكن حقا تيميس؛ إذا كانت الجثة مقطعة في الوقت الذي ظُن فيه أن الشخص الذي لوح بيده لم يكن تيميس لكان لديها فرصة، أما إذا لم يكن مفصول الأوصال لكان لا بد أن يكون الفاعل ساحرًا روحيًا. لا يمكن لأحد آخر أن ينقل العلامات أو ينشئ علامات جديدة. فيورا، بصفتها ساحرة روحية فخورة، كانت تريد تجنب لفت انتباه أي ساحر روحي شقيق. وفي تلك الحالة، كان هذا ما أدى لخسارتها، ولكنه أيضًا قادنا لإدراك أنها انتحلت هيئة تيميس.»
قالت ميريدينا بغرور: «لقد انطلت عليك الحيلة بالكامل.» ولم يستطع ألس النظر في عينيها.
ابتسم أوسكار وحاول التوسط بينهما قائلًا: «لا تتنمري عليه. لم ننجح في حل اللغز إلا بسبب عمله، كما أننا فعلنا ذلك بسرعة، لقد ساعدنا حقًا.»
انحنى ألس مجددًا بعمق. رغم انكشاف الحقيقة ما زال يبدو على كومو الاستياء، فسأل: 
«ولكن تيميس جاء إلي لمناقشة ترتيباته للزواج من فيورا. هل كان حقًا يستخف بها لتلك الدرجة؟»
فقال أوسكار حاسمًا للحوار: «ليس بإمكان أحد الجزم بأنه كان كذلك حقًا أم أنه من صنيع عقل فيورا.» ثم وقَّع الأمير بعجالة على الأوراق الموزعة أمامه.
غادر كومو وألس وميريدينا غرفة المكتب بعد انتهاء مناقشتهم، وعاد كلٌ إلى عمله. ثم رفعت تيناشا بهدوء أكواب الشاي الفارغة من على الطاولة وهي تتمتم: «لم أقوم بوظيفة الوصيفات؟»
مازحها أوسكار قائلا: «لأنك تعدين شايًا حلوًا، على ما أظن.»
وضعت تيناشا صينية الشاي بمحاذاة للحائط، وبدت غير راضية تمامًا وقالت: «ما الذي ستفعله مع فيورا الآن بعد أن قبضت عليها؟»
«هذا أمر سيقرره والدي… ولكنها لن تُعدم على الفور؛ أعتقد أن السحرة لديهم الكثير من الأسئلة لها.»
نظرت تيناشا إلى يديها. بدا على وجه الساحرة شعور الشفقة وقالت: «أعتقد أن هناك أسبابًا تجعل السحرة الروحيين لا يأتون إلى المدينة.»
تدخل أوسكار قائلًا: «هل أنت بخير؟ دعيني أرى يديك.»
«لا تتجنب الموضوع. أنا لست سعيدة تمامًا بشأن ذلك، ولكن الجميع مقتنعون أنني مهمة لك. سأحرص على عدم فعل أي شيء يكشف هويتي.»
«علمت أنك تهتمين.»
«لا، لست كذلك!»
ضحك أوسكار من أعماق قلبه. ثم بدأ بالعمل على رزمة جديدة من الأوراق، وعندما أوشك على غمس ريشته في المحبرة المجاورة، فجأة تذكر شيئًا ورفع بصره قائلًا:
«بالتفكير في الأمر، بما أنك ساحرة روحية فهل يعني هذا أن كل طاقتك ستتلاشى لو فقدت عفتك؟»
تيناشا التي كانت تمسح الطاولة في ذلك الوقت، ابتسمت كما لتقول: اوه إذًا هذا ما تسأل عنه.
«هناك جزء من الحقيقة في هذا ولكنه أيضًا نوع من الاعتقادات الخرافية. في الواقع، العلاقات الجنسية بالفعل تجعل من الأسهل للروح أن تصير غير نقية، وأداء السحر الروحي سيتطلب طاقة سحرية أكبر بكثير من السابق، ولكن هذا كل شيء. عندما يحدث ذلك ينتهي المطاف بأغلب السحرة الروحيين بعدم قدرتهم على استخدام السحر الروحي برمته. لكن لو كان نوعًا أسهل من السحر فهذه قصة مختلفة… لهذا على الأرجح مزجت فيورا ليماث المستخدم في القتل بنفسها؛ فتركيبته السحرية بسيطة جدًا.»
قطعت تيناشا كلامها، وأنهت مسح الطاولة ثم طوت القماش الذي استخدمته، وذهبت لتضعه على صينية الشاي. بعد أن صارت خالية اليدين رجعت للمكتب وتنهدت ثم قالت:
«كمية السحر الذي لدي يختلف تمامًا عن ما لدى شخص مثلها، لذا لا أعتقد أنه سيؤثر علي كثيرًا. ليس كما لو أن السحر الروحي هو النوع الوحيد الذي أستطيع استخدامه على أي حال. رغم أن التعاويذ الأكثر تعقيدًا ربما تصبح صعبة بعض الشيء.»
علَّق أوسكار ببساطة قائلًا: «اوه، هذا جيد.»
أدركت تيناشا أخيرًا ما كان يلمح إليه أوسكار، فانفتح فمها من الدهشة. ثم جاءت بارتباك من خلف المكتب واتجهت نحوه مباشرة.
 «لا، تلك كانت كذبة الآن. ستكون مشكلة كبيرة، مشكلة ضخمة. لن أكون قادرة على استخدام السحر أبدًا.»
ابتسم أوسكار ابتسامة ساخرة دون اهتمام بمحاولتها اليائسة، ثم قال:
«حتى لو كان هذا صحيحًا فلا يهم. سأتحمل المسؤلية وأحميك.»
«لا!»
بلغ شجارهما نهايته عندما سمعا صوت قرع مفاجئ للباب. دخل جندي بسرعة، ومن بين تنفسه المتقطع تمكن من قول: «المرأة التي سُجنت لقتلها الساحر قتلت نفسها!»
سمع أوسكار تيناشا تشهق بحدة.
ألس وكومو قادا الأمير والساحرة إلى الحجرة الصغيرة حيث اُحتجزت فيورا. كانت في منتصفها ووجهها إلى الأرض، ويدها اليمنى كانت تمسك بقنينة صغيرة، وبقع من الدم كانت متناثرة حول جسدها.
«يبدو أنها ابتلعت ليماث؛ السم ذاته الذي استخدمته في القتل. لم تكن تأكل لذا لم تتقيأ، ولكنها نزفت من عينيها وأنفها.»
«ألم تفحصوا ممتلكاتها مسبقًا؟»
«بلى، ولكن لم يكن بحوزتها أي شيء حينها…»
بينما كان الجندي المسؤول يشرح الوضع، نظرت تيناشا عن قرب إلى القنينة التي كانت تحملها فيورا. ثم مدت يدها والتقطت القطرة التي كانت عالقة في حافتها.
كان الجميع مجتمعين حول أوسكار لذلك لم يلاحظ أحد ما كانت تفعله تيناشا. رتلت ترنيمة بصوت منخفض، وبدأت تركز في التركيبة السحرية للسم الذي بين أناملها.

غادر أوسكار الحجرة بعد تكليف كل منهم بمهمته. كانت تيناشا في انتظاره، فأشارت إليه ليقترب. ثم انحنى ليستمع، ووقفت تيناشا على أطراف أصابعها لتهمس في أذنه:
«يجب أن تلقي نظرة أخرى على فيورا. هي ليست من صنع السم. على الأرجح كان لديها شريك… إما هذا وإما هناك عقل مدبر لديه هدف آخر تمامًا.»
أومأ أوسكار بشكل حكيم، ثم عاد إلى الباب ليملي على الجنود ما عليهم فعله تاليًا.
بعد أن تُركت تيناشا بمفردها، تنهدت بعمق ثم غادرت.

كشفت التحقيقات التالية أن رجلًا عجوزًا ذا مظهر مريب كان يزور فيورا خلال الشهر الماضي. كما أنه اتضح أن ساحرًا عجوزًا غير مألوف كان يمشي حول القلعة في اليوم الذي انتحرت فيه فيورا.
عندما وُضع التقريران معًا استنتج الجميع أنهما كانا الشخص ذاته، لكن لم يتمكن أحد من تقفي أثر العجوز الغامض المعني. ظلت القضية معلقة؛ مما ترك أوسكار قلقًا بشأن الأمر برمته.
أخذت تيناشا بقايا فيورا وذهبت لتدفنها في غابة بعيدة. أيًا كان ما رأته تيناشا في الساحرة الوحيدة التي ضحت بقوتها لأجل رجل وقتلته لكبرياءها، لم تتفوه به.


تعليقات