أرجو عدم نشر ترجمتي للرواية دون إذن.
__________________________________
في أرض قاحلة انتصب برج ذو لون أزرق لازوردي باهت.
أحاطت به تربة شحيحة زينها القليل من العشب. وفي قلب تلك الصحراء نظر شاب ممتطيًا حصانه إلى البرج الشامخ.
وبينما حدق في هذا البناء العملاق قال بنبرة لا تحمل ذرة تشَوق: «إذًا هذا هو البرج الذي تسكنه ساحرة.»
كان شابًا ذا شعر داكن أقرب إلى الأسود، وعينين شديدتي الزرقة تمامًا كلون السماء بعد الغروب.
دلت جودة ملابسه ومظهره الأنيق على رقي متأصل إلا أن هذا لم يوحِ بهشاشته؛ حيث أن جسده قوي البنية أبدى هالة من التأهب الدائم. قد يعده من يبصره قائدًا في الصفوف الأمامية في المعارك رغم صغر سنه.
عندما كان على وشك الارتجال عن حصانه وشق طريقه نحو البرج أوقفه صوت متذمر من خلفه قائلًا: «يجب ألا نفعل ذلك حقًا يا سمو الأمير…»
هز رأسه بغضب وقال: «اصمت يا لازار، ما الذي سيحل بي إذا ترددت الآن؟» ثم التف وتابع طريقه. هذا الشاب الذي دُعي للتو ب- سمو الأمير- كان ولي عهد مملكة فارساس التي تمتد شرق البرج؛ ويدعى أوسكار.
رد أوسكار بثقة بالغة على خادمه وصديق طفولته الذي اصطحبه معه رفيقًا وحيدًا له قائلًا: «لقد نجحنا في الفرار من القلعة أخيرًا، ألن يكون هذا بلا فائدة إن عدنا الآن؟ سنقوم بجولة سياحية صغيرة وحسب.»
قال لازار معترضًا: «لا أحد يذهب إلى منزل ساحرة لأجل جولة سياحية!»
ساحرة.
كانت هناك خمس ساحرات فقط في أنحاء القارة بأكملها، وكنَّ يعامَلن بشكل منفصل عن بقية الناس؛ على الأرجح بسبب قواهن الجبارة.
ساحرة الغابة المحظورة.
ساحرة الماء.
الساحرة التي لا يمكن استدعاؤها.
ساحرة الصمت.
ساحرة القمر اللازوردي.
كانت هذه ألقابهن الشائعة. لم تكن الساحرات تظهر إلا عندما يرغبن أنفسهن بذلك، وكنَّ يستدعين البلايا باستخدام قواهن السحرية الضخمة ثم يختفين بلا أثر. وعلى مدار مئات السنين الأخيرة صرن رمزًا للهيبة والكوارث.
من بين هذا الخماسي كانت الساحرة التي امتلكت السحر الأقوى هي ساحرة القمر اللازوردي. لقد شيدت برجًا لازورديًا ملائمًا لها في البراري خارج حدود أي دولة وعاشت في أعلى قمته، وقيل أنها ستحقق أمنية أي شخص يتمكن من الصعود إلى قمة برجها الضخم، ولكن بسبب انتشار خبر أن أولئك المتحديين لم يعودوا من البرج قط قلَّ عدد من يجرؤون حتى على الاقتراب منه أكثر فأكثر.
جاء أوسكار ولازار إلى هذا البرج الخطر لهدف معين.
قال لازار: «لقد أخبرتك. هذا البرج حقًا خطر كما توقعت، ماذا ستفعل إن عززت الساحرة لعنتك؟»
«سأتعامل مع ذلك إذا حدث، أنا لا أملك أية أفكار أخرى، أليس كذلك؟»
«لا يزال هناك وسائل أخرى… أنا واثق أننا سنجد شيئًا إذا بحثنا…»
وبينما استمع أوسكار إلى اعتراضات لازار ارتجل عن حصانه، وأخذ السيف الطويل من السرج وأعاده إلى نِجاد السيف في خصره ثم قال:
«قلت وسائلًا أخرى ولكن لم يُعثر على أي شيء خلال خمس عشرة سنة. أولًا سأقابل ساحرة القمر اللازوردي هذه وأسألها كيف أبطل اللعنة، إن كان هذا طريقًا مسدودًا سأعود إلى ساحرة الصمت التي لعنتني في الأساس وأجعلها تبطلها. هذا مثالي، صحيح؟»
بينما ارتجل لازار عن جواده أخيرًا قال بصوت بدا على وشك البكاء: «هذا ليس مثاليًا على الإطلاق.» كانت بنيته الطويلة والنحيفة غير مناسبة للمعارك إطلاقًا، ولم يكن يحمل أي سلاح إلا أن هذا كان لأنهما غادرا على عجلة.
ركض لازار مسرعًا خلف سيده تمامًا كما فعل عندما فرَّا من القلعة.
«سمو الأمير، أنا أفهم مشاعرك… ولكن السبب وراء عدم اتصال أحد بالساحرات منذ خمس عشرة سنة هو أن هذا خطر للغاية! كل عمليات البحث عن ساحرة الصمت كانت بلا جدوى، وكل من صعد برج ساحرة القمر اللازوردي لم يعد قط!»
رد أوسكار: «صحيح. إنه حقًا يبدو من الصعب صعوده على السلم وهو بهذا الطول.»
كانت جدران البرج مصنوعة من مادة بلورية ذات لون أزرق فاتح مما جعله يبدو متناغمًا مع السماء. رفع أوسكار رأسه عاليًا لينظر إلى القمة الضبابية الغائمة وقال:
«حسنًا، أنا متأكد أنني سأجد حلًا ما.»
«لا، لن تجد! لا شك أنه محفوف بالفخاخ! إذا حدث لك أي شيء فكيف يفترض بي العودة إلى القلعة؟ ما الذي سيتوجب علي قوله؟»
«تظاهر بأنك حزين جدًا وحسب.»
رفع أوسكار كتفيه غير مهتم بكلام لازار وسار على مهل.
«مهلًا، أنا قادم أيضًا!» سارع لازار بربط حصانيهما في شجرة ثم لحق به.
بدأ كل شيء منذ خمس عشرة سنة. ذات ليلة دوى فجأة قرار ساحرة في أرجاء القلعة.
«لن تحظى بطفل مجددًا أبدًا، لا أنت ولا ابنك هذا. الدم الذي يجري في عروق عائلتك سيمزق أرحام النساء. عائلة فارساس المالكة ستموت معك!»
لم يتذكر أوسكار كلمات الساحرة بالتحديد حينما لعنتهم. ولكن ما يتذكره بوضوح هو الظل المبهم للساحرة والقمر من خلفها، وكيف كانت ذراعا والده ترتعشان وهو يمسك به؛ لم يفهم أوسكار مدى خطورة ذلك القرار آن ذاك فقد كان في الخامسة من العمر، ولكنه أدرك ببساطة أن شيئًا سيئًا قد حدث بسبب مدى شحوب وجه والده.
كان أوسكار الطفل الوحيد للملك لذلك ظلت تلك اللعنة التي تهدد نسل العائلة المالكة طي الكتمان، ولم يعلم بها سوى قلة من الناس أغلبهم من العلماء والسحرة المتميزين الذين كانوا يبحثون عن طريقة لإبطال اللعنة لسنوات عديدة.
ولكن على الرغم من حمل أوسكار لشيء كئيب كذلك فقد كان فتًا مرحًا شجاعًا، وبرع في كل من المبارزة بالسيف والعلوم الأكاديمية. وبسبب فطنته ووسامته عقد الكثيرون آمالًا كبيرة على مستقبله مع جهلهم بشأن اللعنة؛ فكانوا يتمتمون: «عاجلًا أم آجلًا سيصير ملكًا ستُخلَّد ذكراه على مر التاريخ.» ولكن إن لم تُفك اللعنة فكل ما سيخَلِّفه هو اسم بائس.
في العاشرة من العمر أصبح أوسكار يفهم ما تعنيه اللعنة وبدأ في البحث عن وسيلة لإبطالها. ولكن لسوء الحظ مهما كان عدد الكتب التي رجع إليها والإشارات التي تتبعها بعد تدريبات المبارزة فلم يجد ولو ذرة أمل نتيجة لعمله الشاق.
مضى خمسة عشر عامًا على تلك الليلة.
سافر هذا الرجل الذي سيصير ملكًا يومًا ما غربًا خارج حدود دولته، ويقف الآن أسفل البرج اللازوردي الذي تسكنه ساحرة.
قال أوسكار: «حسنًا، فلنذهب.»
«لا يمكنك أن تفتح الباب بهذه القوة! كن أكثر حذرًا!»
فتح أوسكار الباب المزدوج وخطا إلى الداخل، في حين كان لازار يصرخ في أذنيه.
نظر أوسكار من حوله ووجد نفسه في ردهة فسيحة مستديرة في قلبها أتريوم (فسحة سماوية)، وفي الجهة اليمنى ممر يؤدي إلى الأعلى؛ لم يكن الممر درجًا وإنما مسارًا مائلًا مستويًا ملتصقًا بالجدار وممتدًا إلى الأعلى بشكل لولبي.
بدا البرج بأكمله مهجورًا.
أمال أوسكار رأسه وقال: «يبدو تمامًا كما ذكرت السجلات على ما أعتقد. على الأقل في المدخل».
سأله لازار بصوت أجش: «هل يروي هذا فضولك؟»
«لنتابع التقدم. هيا، إلى الأعلى.»
وفقًا للسجلات التى في القلعة فإن البرج مليء بعدة حواجز، وستحقق الساحرة أمنيات من يتمكنون من تجاوز هذه التحديات والوصول إلى أعلى طابق. وهدف أوسكار هو فعل ذلك بالضبط.
تفحص أوسكار نِجَاد السيف ليتأكد أن سيفه العزيز لا يزال في مكانه، ثم انطلق بصحبة لازار.
لم يكن للمسار مقبض، ورأى أوسكار أنه يؤدي إلى بسطة دائرية بها ما يشبه لوحًا حجريًا ضخمًا فصعد متجهًا نحوها، ولازار يتبعه على خوف.
قال أوسكار: «انتظرني هناك فهذا خطر؛ سأعود بحلول الغروب.»
فأجابه لازار: «لـ-لا… لا يمكنني ذلك…»
كان لازار يرافق أوسكار لعدة سنوات بدءًا من أول مرة هرب فيها أوسكار من القلعة؛ وقد وضعه هذا في بعض المواقف الحرجة. وفي كل مرة كان يغدق على رأس أوسكار وابلًا من التذمرات، ولكن مع ذلك فلا يبدو أنه ينوي التخلي عن سيده المتهور.
نظر أوسكار إلى لازار وابتسم بهدوء ثم تابع الصعود إلى الأعلى.
عندما اقترب الاثنان من البسطة وجدا أنها بحجم غرفة صغيرة تقريبًا، وكان اللوح الحجري في منتصفها منقوشًا عليه قائمة من الأرقام فبدأ أوسكار يفكر في حل لها وهو يمشي نحوها. وفجأة قال لازار بصوت مرتجف: «سمو الأمير… هـ-هذا—»
قاطعه أوسكار قائلًا: «أنا أفكر الآن. على الأرجح هناك عامل مشترك بينها.»
«ليس هذا! الأفاعي! هناك الكثير منها!»
«أنا أراها.»
كانت أرضية البسطة تعج بالأفاعي المتلوية ولم يكن هناك حائط يفصل بين البسطة والمسار، لذا ما منع الأفاعي من الهروب من البسطة كان غالبًا نوعًا من الحواجز السحرية.
انحنى أوسكار وأمسك بلا خوف برأس إحدى الأفاعي التي كانت تنتأ نحو المسار.
«لا بأس فهي ليست سامة. إنها هنا لإعاقتنا وحسب.»
رمى أوسكار الأفعى بلا مبالة من فوق كتفه، فصاح لازار. لم يلقِ أوسكار له بالًا ودخل وسط الأفاعي ثم اقترب من اللوح الحجري ووضع يده تحت ذقنه ممعنًا النظر فيه.
كان اللوح موضوعًا لسد الطريق إلى الأعلى فلم يتمكن أوسكار من التقدم. كان يفكر مليًا في ذلك اللغز متجاهلًا الأفاعي التي تلتف حول قدميه في حين كان لازار يشق طريقه نحو سيده بحذر مصدرًا صرخات خافتة. على الأرجح كان هذا أول حاجز.
أومأ أوسكار برأسه وهو ينظر إلى اللوح الحجري وقال: «فهمتها؛ هذه فرضية حسابية دُرست منذ حوالي مئة عام في بلد صغير في الشرق واشتهرت بين علماء الرياضيات بأنها معضلة لا حل لها.»
«لا حل لها؟!»
«نعم، آنذاك، ولكن أحدهم وجد الحل منذ عشرة أعوام تقريبًا. ساحرة هذا البرج حقًا تجيد عملها.»
مد أوسكار يده ولمس اللوح، فأضائت النقطة التي لمستها أصابعه بضوء أبيض خافت، اتَّبع أوسكار هذا المسار المضيء وأدخل الإجابة وحينها…
تحطم اللوح الضخم وتحول إلى رمل، وفي الوقت ذاته تلاشت الأفاعي التي كانت ملتفة حول قدميه كما لو كانت جميعها وهمًا.
نظر أوسكار بذهول شديد إلى البسطة التي لم يميزها الآن سوى كومة من الرمال.
«فهمت. إذًا هكذا تسير الأمور.»
قال لازار متوسلًا: «… ألا يجب أن نعود إلى المنزل؟»
«مستحيل. لقد بدأت الإثارة للتو.»
لحق لازار بسيده المفعم بالحيوية وواصلا الصعود إلى القمة التي لا تزال بعيدة جدًا.
-----
دائمًا ما كانت الرياح التي تهب من خلال زجاج أعلى طابق في البرج جافة إلى حد ما. في غرفة واسعة غير مرتبة تراكمت الكتب في أرجاءها نادى صوت قائلًا:
«إنه أول متحدٍ يأتي منذ زمن طويل يا سيدتي.»
الشخص الذي قال ذلك من مدخل الغرفة كان طفلًا صغيرًا في الخامسة أو السادسة من العمر بالنظر إلى شكله، وكان ذو ملامح جميلة لكن وجهه بلا تعابير مما جعل تحديد جنسه صعبًا. الصوت البارد للطفل الغريب أضفى عليه طابعًا مشابهًا للدمى.
نظر جني الساحرة ذو هيئة الطفل إلى الطاولة حيث لم يكن عليها سوى فنجان شاي ساخن، ورغم أنه كان هناك لأكثر من ساعة فلم يبدِ أي إشارة على أنه برِد.
الشخص الذي كان يجب أن يكون هنا كان غائبًا عن المشهد ولكنه رد على المساعد على الفور.
«متحدي؟ هذا نادر. ظننت أن الجميع قد نسي أمر هذا البرج برمته.»
أجاب الطفل: «كان هناك واحد الشهر الماضي أيضًا؛ لم يتمكن من حل لغز اللوح الحجري الأول ونفِد منه الوقت.»
كانت حواجز البرج تُغير بشكل دوري ولكن منذ أن وُضع التحدي الحالي في الحاجز الأول لم يستطع ولو متبارٍ واحد تخطيه؛ على الأغلب لم يكن في حسبانهم أنه سيكون عليهم حل مسألة حسابية مباشرة منذ البداية في برج قيل أنه يحتوي على أكثر العثرات صعوبة في القارة بأكملها، وفي المقام الأول لم يكن المتبارين كثيرين فلا عجب أن تنسى مالكة البرج.
استخدم الجني ذهنه لاستشعار المتحديين عميقًا في أسفل البرج ثم قال: «هذه المرة يبدو أنهم يحرزون تقدمًا متواصلًا، هل تودين إلقاء نظرة؟»
«لا، المتعة الحقيقية تبدأ من هذا المستوى، هذا إذا تمكنوا من الوصول إليه في الواقع.»
«بالفعل.»
كانت الساحرات كائنات تفضل التواري في عتمات التاريخ؛ فمع أن محل إقامة هذه الساحرة كان معروفًا إلا أنه في الواقع لم يتمكن سوى قليل جدًا من الناس من تجاوز حواجز البرج المحفوفة بالمخاطر. لم تكن للساحرة أي رغبة في الكشف عن نفسها وكانت راضية بانتظار وصول الآخرين إليها.
قالت بنبرة عالية وواضحة: «اذهب يا ليتولا. عندما يفشل زائرونا احرص على الاعتناء بالأمور.»
«حاضر يا سيدتي.»
هبت نسمة خفيفة اختفى معها الجني المدعو بليتولا. وبينما كانت الساحرة تطفو في السقف بشكل مقلوب وتحمل كتابًا مفتوحًا بين ذراعيها أمالت رأسها وتمتمت: «حتى لو كان هذان الاثنان يتقدمان حاليًا فلا أحد يستطيع تجاوز الحيوان الحارس الأول.»
-----
اخترق سيف ذو حدين حنجرة الأسد.
توقع أوسكار أن يتناثر الدم ولكن لم يخرج شيء بعد أن تصلب الأسد الأبيض وهو في وضعية انقضاض وسقط أرضًا كالآلة. ودون أن يغمد أوسكار سيفه ألقى نظرة عن قرب إلى جسد الحيوان الضخم ولاحظ أنه أكبر حتى من الحصان.
«كنت أظن أن فراء هذا الشيء ناصع البياض لكن اتضح أنه ليس حقيقيًا حتى. أعتقد أنه غالبًا حيوان حارس يحرَّك بالسحر؟»
«رؤية أسد بهذه الضخامة مرعبة ولكن حقيقة أنك لا تخاف منه على الإطلاق يا سمو الأمير أكثر رعبًا منها…»
«هذا ليس سوى إحماء. أتساءل ما الذي سنقابله بعد ذلك…»
خرج أوسكار ولازار من الغرفة التي كان بها الأسد ليجدا المسار مجددًا. ثم نظر أوسكار إلى الأتريوم الذي في المركز أسفل البرج، كان منظر الطابق الأرضي من هذا العلو كفيلًا بجعل أي شخص يصاب بالدوار إلا أنه حدق فيه بلا خوف وقال: «هذا سقوط مميت.»
قال لازار ملتمسًا: «أرجوك لا تقترب كثيرًا من الحافة!»
«كان عليك أن تنتظرني في الأسفل وحسب…»
حينما نظر أوسكار إلى الخلف رأى لازار يسير خائفًا ببطء محاذيًا للحائط؛ وبهذا الأداء ربما لن يصل إلى القمة أبدًا ولكن مع ذلك كانت العزيمة والإصرار باديتان على وجهه حينما صاح قائلًا: «لن أدعك تموت وحدك هنا يا سمو الأمير!»
«أنا لا أنوي الموت.»
لوَّح أوسكار بسيفه باستهتار. على طول المسار لاقى عددًا لا يحصى من الفخاخ والوحوش في هيئة حيوانات حارسة إلا أنه تغلب عليهم بسهولة. والآن هما على وشك الوصول إلى منتصف البرج.
في البداية كان أكبر مخاوفه هو ارتفاع البرج ولكنه لم يعد مصدر قلق الآن فبعد اجتياز أي حاجز يتم تفعيل جهاز ينقلهم تلقائيًا إلى المستوى التالي. ومن ناحية أخرى كانت العقبات تختبر بوضوح قوة أوسكار البدنية، ونتاج طاقته، وحكمته، وذكائه؛ كل تلك الصفات كانت ضرورية بشكل متساوٍ لاجتيازها.
قال أوسكار متأملًا: «أظن أنه في العادة سيسعى الناس لفعل هذا برفقة فريق.»
«لم يكن هناك من هو أحمق بما يكفي لمحاولة الصعود مع شخص واحد فقط…»
«آخر من وصل إلى القمة كان جد والدي، صحيح؟»
«سمعت أن جلالة الملك السابق ذهب مع مجموعة من عشرة أشخاص ولكنه كان الوحيد الذي وصل إلى القمة.»
وضع أوسكار يده التي لا تحمل السيف تحت ذقنه وقال متفكرًا في ذلك: «فهمت…»
منذ قرابة سبعين سنة، بلغ ريجيوس جد والد أوسكار الذي كان ملك فارساس آنذاك قمة هذا البرج، ونال مؤازرة الساحرة بَيد أن هذا أوقعه في نوع من الديون على ما يبدو. في الوقت الحاضر لا تُروى هذه القصة سوى للأطفال كحكاية خيالية.
علق أوسكار قائلًا: «كان الطريق سهلًا جدًا حتى الآن.»
قال لازار بصوت باك مجددًا: «علينا العودة إلى المنزل!»
فرد أوسكار بلا اكتراث بلهجة ساخرة: «يمكنك أن تعود؛ فأنت عديم الفائدة على أي حال.» في حين كان لازار يبكي في بؤس.
وخلال محادثتهما ظهر الباب التالي أمامهما. من الطابق الخامس فصاعدًا لم تكن الحواجز على البسطات المتصلة بالمسار وإنما في غرف منفصلة.
فتح أوسكار باب الغرفة بلا تردد، فرأى في وسطها زوجين من التماثيل الحجرية المجنحة ضعف حجم الإنسان؛ كان المنظر كفيلًا بجعل أي طفل يبكي ولكن أوسكار بدا راغبًا في إبداء أفكاره المسترخية قائلًا: «يبدو أنهما حقًا سيتحركان إذا اقتربتَ منهما.»
«بلا شك! سيتحركان! فلنغادر!»
«يجب أن تنتظر في الخارج بجدية…»
تنفس أوسكار بعمق ثم هيأ سيفه. وفي أثناء ذلك تحول غلاف التمثالين الحجري إلى لون أسود آخَّاذ، وتوهجت محاجر أعينهما الفارغة باللون أحمر، ثم بسطا أجنحتهما الضخمة بدون إصدار صوت وطارا للأعلى.
أشار أوسكار بيده اليسرى فأسرع لازار إلى التشبث الحائط.
مباشرة بعد ذلك طار أحد الوحشين السوداوين تجاه أوسكار وانقض عليه بسرعة كطائر جارح ينقض على فريسته، وقبل أن تمزق مخالبه الحادة جسد أوسكار قفز برشاقة ناحية اليسار، وحينها انقض التمثال الثاني عليه كما لو كان في انتظار هذا.
«يا للهول.»
صد أوسكار مخالب مهاجمَيه بسيفه وانساب من بينهما، وخرج من ورائهما ثم بلا جهد ولكن بقوة استثنائية بتر أحد جناحي التمثال الأول.
أصدر الشيء الجريح صيحة تصم الأذن، ثم رفع أوسكار سيفه مجددًا تجاه الوحش المنحني أرضًا. وحدث كل ذلك في طرفة عين.
-----
«سيدتي، لقد وصل المتحدين إلى غرفة التماثيل الحجرية.»
بينما كانت الساحرة تغلي الماء ابتسمت قليلًا عندما سمعت مستجدات جنيّها وقالت: «هذا مذهل. كم عددهم؟»
«اثنان… لا، في الواقع، واحد.»
كان يفترض بهذه الحقيقة أن تكون مفاجئة ولكن الساحرة رفعت حاجبًا وحسب. لم يبلغ أحد مهما كان عدد مجموعته هذا الحد منذ عقود، وكان يفترض استحالة تمكن شخص واحد من تدبر أمر غرفة التماثيل الحجرية؛ فالمتحدي لم يكن ليردع بكفاءة عدوين ذكيين، وخفيفي الحركة، ويستطيعان الطيران دون أن يصرف شخص آخر انتباه أحدهما ويدعه يقاتل الثاني. ولذلك شهدت هذه الغرفة انسحاب المتحدين أكثر من غيرها.
«كنت أنوي إعداد الشاي ولكن يبدو أنه لا يمكنني الآن. إن وصل زائرنا إلى كل هذا الحد فأعتقد أن علي إخراج جائزة الروح المقاتلة؟»
«يبدو أنه سيجتاز ذلك بسهولة في الواقع.»
«… ماذا؟»
-----
أطلق أحد الوحشين صرخة حادة بسبب السيف المغروس في عينه اليمنى، ودوت صيحاته المروعة في أنحاء الغرفة الواسعة. في حين كان شريكه منبطحًا على الأرض بالفعل، وكان جسده العملاق الهامد يتحلل ببطء إلى ذرَّات سوداء حتى تلاشى تمامًا.
كان العدو المتبقي يهاجم بذراعه اليسرى ورواسب سوداء تتساقط من عينه اليمنى. وأنذرت ضربة التمثال الوحش المقوَّاة بغضبه بموت حتمي إذا أصابت هدفًا إلا أنها لم تسقط إلا على الهواء.
تفادى أوسكار الضربة المميتة بردود أفعاله المذهلة ثم انقض على الوحش قاطعًا عنقه، فارتطمت رأسه بالأرض مصدرة صوتًا معتمًا، وأخذ جسده الضخم مقطوع الرأس يترنح يمينًا ويسارًا إلى أن سقط أرضًا.
«إذًا كان هذا كل ما في الأمر؟ يا للإزعاج.»
نفض أوسكار سيفه ليزيل الدم من عليه. ثم نظر إلى لازار من خلفه، فقال لازار بنظرة ارتياح: «أنا فقط سعيد لأنك لم تتأذى…»
نظر أوسكار أمامه وردَّ مازحًا: «كان الأمر سيكون أسوء من مجرد أن أتأذى لو كنت تلقيت ضربة منهما.» عندما اختفى التمثالان الساقطان بدأ وهج خافت يظهر في نقطة في مؤخرة الغرفة؛ مما يعني أن التقنية التي ستنقلهم إلى الطابق التالي بدأت في العمل.
«فلنذهب.»
انطلق أوسكار إلى الجهاز. وحينها بدأت الغرفة بأكملها تهتز بشدة.
فصاح قائلًا: «ما الذي يجري؟!»
ثم نظر من حوله فرأى حُفَرًا قد انفتحت في أرجاء الغرفة، وبدأ بقية الطابق في الانهيار إلى الداخل تدريجيًا أيضًا. كان تهَدُّم الغرفة جزءًا من فخ على ما يظهر.
«أسرع يا لازار!» نظر أوسكار خلفه وصُدَم مما رأى؛ فإذا بحفرة كبيرة تفصل بينه وبين لازار الذي كان لا يزال بجانب الحائط، وكان لازار محصورًا.
كان أوسكار على يقين أنه يستطيع القفز من مسافة كبيرة كهذه ولكن هذا محال بالنسبة للازار. أتخذ أوسكار قراره وعاد للوراء لكي يركض إليه وقال: «انتظرني!»
كانت الغرفة تنهار أكثر فأكثر كاشفة عن الطابق الأرضي البعيد في الأسفل، وأغلب الطريق المؤدي للآلة الناقلة قد تهدَّم ولم يبقى منه سوى بضعة أجزاء تشبه خطوات العبور.
رفع لازار يديه أمامه في رغبة منه أن يبعد سيده وقال: «سمو الأمير، اذهب من دوني رجاءًا.»
«هل جننت؟! سوف تقع!»
رد لازار: «لا، سأكون بخير. أنا آسف جدًا ولكني سأعود أولًا.»
رغم أن وجهه كان شاحبًا إلا أنه حافظ على ابتسامته وانحنى بشدة قائلًا: «رجاءًا امضِ قدمًا… من أعماق قلبي، سأتطلع إلى اليوم الذي ستصير فيه ملكًا.» ظل الخادم الذي لازم جانب أوسكار لأغلب حياتهما حانيًا رأسه. وكان صوته يرتعش قليلًا ولكنه أيضًا حوى نبرة من العزيمة الصلبة.
قال أوسكار والتوتر ظاهر عليه: «انتظر، لازار!» ومد يده سُدًى. وسرعان ما تحطمت الأرضية التي كان عليها لازار مصدرة صوت جلجلة قوي.
تبَقَّت خمسة طوابق.
جميعها احتوت على ألغاز معقدة أو وحوش قوية، وشق أوسكار طريقه من خلالها بلا حماسة. كان الأمر كما لو صعد البرج وحده منذ البداية، فحتى مع رحيل لازار لم يكن لديه أي مشكلة مع القتال، بيد أن شعورًا بالكآبة لا يوصف قد اجتاح كامل جسده. وخطر في باله أن جد والده لا شك أنه قد شعر بنفس الشعور، عندما صعد هذا البرج منذ سبعين سنة برفقة عشرة من أصدقائه وكان الوحيد الذي بلغ القمة.
وبينما كان أوسكار منشغل البال وصل أخيرًا إلى باب الطابق الأخير.
كان أول ما لفت نظره عندما فتح الباب هو المنظر المدهش الظاهر من النافذة الضخمة في الغرفة.
كان هذا أعلى طابق بعد كل شيء لذا أطل على الحدود البعيدة للصحراء. كانت الشمس تغرب، ووقف أوسكار في ذهول أمام المنظر الطبيعي الخلاب المطلي بالأحمر والأرجواني، فلم يسبق له أن نظر إلى الأرض من هذا الارتفاع الشاهق قط. ثم هب نسيم هادئ عبث بشعره.
كانت الغرفة ذاتها واسعة وفوضوية؛ العديد من الأغراض الغامضة- من السيوف والصناديق إلى المنحوتات والجِرار- كانت مكدسة بشكل عشوائي بجانب الجدران، ورأى أوسكار من بينها الكثير من الأدوات السحرية المذهلة أيضًا. بعيدًا عن فوضى الأدوات هذه عند الجدران فكل شيء آخر كان ملائمًا بغرفة أي شخص عادي.
«أهلًا بك.»
صوت رقيق كلحن الناي جذب مسامع أوسكار. وبدا أنه أتى من النقطة العمياء في أقصى الغرفة.
«لقد أعددت الشاي. اقترب.»
تقدم أوسكار بحذر وهو لا يزال ممسكًا سيفه على تأهب. في الداخل أيضًا كان المكان مكتظًا بالمتنوعات تمامًا كمدخل الغرفة، وعلى يسار النافذة رأى أوسكار منضدة خشبية صغيرة عليها فنجانان ساخنان من الشاي. أخذ أوسكار نفسًا عميقًا وهيأ نفسه ثم خطا خطوة أخرى إلى الأمام.
كانت تقف هناك وظهرها إليه.
ثم التفتت إليه وابتسمت قائلة: «رفيقك نائم في الطابق الأول. هو لم يتأذى.»
-----
«سُررت بلقائك. اسمي تيناشا، مع أنه لا يوجد كثير من الناس يناودونني باسمي.» كانت تحيتها الهادئة رقيقة جدًا لدرجة أنها كادت أن تبدو مُخَيِّبة.
جلس أوسكار على الكرسي الذي أشارت إليه ثم بدأ بسؤالها.
«أنت ساحرة؟ لا تبدين كذلك.»
هزت تيناشا رأسها في تعجب من سؤال أوسكار وقالت: «يا لها من حماقة أن تسأل ساحرة عن مظهرها.» ظاهريًا كانت تبدو شابة جميلة في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من العمر. لم تكن عجوزًا شمطاء حدباء، ولم تكن ترتدي رداءً أسود بل ثوبًا عاديًا مصنوعًا من قماش ذا جودة عالية وبدا من السهل التحرك به. ثم جلست أمام أوسكار.
كانت الساحرة ذات جمال استثنائي. شعرها أسود طويل، وبشرتها بيضاء ملساء كالخزف، ولون عينيها كان شديد السواد كالليل. كان جمالها كئيبًا بعض الشيء ومع ذلك كان هادئًا. كانت أكثر جاذبية من أي فتاة نبيلة قد رآها أوسكار من قبل.
أفصح أوسكار عن ظن ساذج وسألها: «هل استخدمت السحر لتغيير شكلك؟»
ردت تيناشا: «أنت حقًا تسأل أوقح الأسئلة. إنه طبيعي بالكامل.»
«ولكنك عشت لمئات السنين وليس لديك أية تجاعيد.»
«لقد عشت لوقت أطول بكثير من البشر، أجل. ببساطة نمو جسدي قد توقف، هذا كل شيء.» ثم رفعت فنجان الشاي إلى شفتيها الحمراوين ذات شكل البتلات.
شعر أوسكار باستغراب شديد؛ فقد كانت هذه الفتاة مختلفة كثيرًا عما تخيله عن الساحرات.
توقعت تيناشا رد فعل كهذا على ما يبدو فابتسمت بسخرية، ثم واصلت الحوار وقالت: «إذًا؟ إنه دورك لتتكلم الآن، أليس كذلك؟ أنت أول من يصل إلى هذا الحد تمامًا بمفرده. يجب أن تخبرني باسمك.»
عدَّل أوسكار قوامه عند السؤال. وتدفقت النبالة والبهاء منه بشكل طبيعي مما حوَّل هيئته برمتها.
«أعتذر. أنا أوسكار لايث إينكرياتوس لوس فارساس.»
عندما سمعت الساحرة اسمه الأخير اتسعت عيناها قليلًا وقالت: «فارساس؟ عائلة فارساس المالكة؟»
«أنا ولي العهد، أجل.»
«سليل لريجيوس؟»
«أنا ابن حفيده.»
فقالت تيناشا: «واااااااااووو.» ونظرت إليه من الأعلى للأسفل بنظرة متفحصة.
«بالتفكير في الأمر، أنت حقًا تشبهه قليلًا… ربما؟ مع أنه كان ظاهرًا على وجهه طيبة النفس.»
رد أوسكار بهدوء مازحًا: «آسف لكوني خبيث النفس.» فضحكت الساحرة.
«أنا آسفة. أنت رجل جيد. ريج كان طيبًا جدًا وربما طفوليًا إلى حد ما…» نظرت تيناشا إلى النافذة وهي تتحدث، ولوهلة رأى أوسكار شيئًا أكثر من الحنين في عينيها.
تلك العينان السوداوان كانتا بلا شك ملكًا لشخص عاش زمنًا طويلًا، والمشاعر التي كانت تحوم بداخلهما أقنعت أوسكار أن هذه هي حقًا ساحرة القمر اللازوردي.
ولكن عندما عاودت تيناشا النظر إليه اختفت كل تلك المشاعر كما لو لم تكن هناك قط؛ فكانت تبتسم كأي فتاة أخرى. وفجأة خطر سؤال في بال أوسكار.
«هل تعيشين هنا وحدك؟»
«لدي جني. ليتولا!»
ظهر ليتولا الجني غير محدد الجنس بلا صوت في المدخل تلبية لنداء سيدته، ثم التفت إلى أوسكار وانحنى.
«هذه أول مرة نتقابل فيها. اسمي ليتولا. رفيقك نائم بهدوء تحت تأثير تعويذة، لذا قمت بتغطيته ببطانية.»
«أوه، شكرًا لك.»
كان لازار في أمان، وحتى الآن لم يستشعر أوسكار أي عداء تضمره تيناشا، فكان الأمر كما لو كانت مجرد حفلة شاي. رفع أوسكار فنجان الشاي الذي أمامه، ففاحت منه رائحة مهدئة داعبت أنفه. كل شيء من هذا كان بعيدًا كل البعد عن الانطباع الذي كان لديه من الأقاويل التي بدت معقولة عن هذا البرج التي همس بها الناس في الشارع.
«ما الذي حدث للناس الذين جاءوا إلى هنا ولم يعودوا؟ هل انتهى بهم الأمر في قبر جماعي أو ما شابه؟»
أبدت تيناشا وجهًا عبوسًا وقالت: «لا تفترض ببساطة أن الناس قابعون في جحور. لا أريد جثثًا في البرج. أنا أُعد الأمور بطريقة لا يموتون فيها.»
«إذا تلقَّوا ضربة من أحد التمثالين الحجريين، سيموتون.»
«بمجرد وقوع إصابة قاتلة تتم إعادتهم إلى الطابق الأول. بعد ذلك أعَدِّل ذكريات المتحديين غير المؤهلين وأنقلهم إلى مكان ما في القارة. أغلب زوَّاري هم من يسعون لاختبار مهاراتهم أو من يطمعون في الشهرة، فاعتبرت أنهم مستعدون لدفع ثمن من هذه الدرجة على الأقل.»
صارت ابتسامة تيناشا جميلة وصافية. وبينما كانت تحتسي الشاي كانت تبدي وقارًا يليق بسيدة هذا البرج. كان رقي سلوكها المقرون بجمالها سيجعل من الصعب التفريق بينها وبين فرد من العائلة المالكة. هذا لولا الأشياء غير العادية من حولها.
اتسعت عينا أوسكار قليلًا، ثم قاطع ليتولا الحديث قائلًا: «ولكن في حالة من أتوا رغبة في أشياء كعلاج ابن مريض بشكل مميت، لبَّت سيدتي مطالبهم حتى إن فشلوا.»
«لا تتحدث في غير دورك.» بدت تيناشا محرجة وأشاحت نظرها عن أوسكار، فاختفى الجو المهيب الذي كانت تحمله بكل ثقة منذ برهة، وبدت الآن أصغر حتى مما تظهر.
انطباع أوسكار عن الساحرة كان يتغير باستمرار، مما وجده مسليًا. «من الصعب فهمك.»
«لا بأس إن لم تفعل.» ردها العابس كان ظريفًا.
«ألا تخرجين إلى المدينة؟ سمعت أن الساحرات الأخريات يظهرن أمام الناس أكثر منك.»
«فقط عندما يكون هناك شيء يجب أن أذهب لجلبه بنفسي… مع أنني لا أريد حقًا التدخل في حياة البشر؛ فقوتي ليست شيئًا يجب أن استخدمه على هوايّ.»
«فهمت. ليت ساحرة الصمت تفعل مثلك.»
عندما ذكر أوسكار فجأة اسم ساحرة أخرى، أمالت تيناشا رأسها وسألته: «هل لذلك علاقة بسبب مجيئك إلى هنا؟»
«… ولذلك أريد منك أن تبطلي اللعنة.»
شرح لها أوسكار ردًا على سؤالها ما حصل في تلك الليلة منذ خمس عشرة سنة.
استمعت تيناشا بوجه متجهم وأذرع متشابكة، وبعد انتهاء أوسكار من حديثه تنهدت بعمق وقالت: «لم أعطتك لعنة كهذه؟»
«أبي لا يرغب في الحديث عن الأمر؛ لذلك لم أسئل. يبدو أن له علاقة بأمي التي ماتت قبل ذلك.»
«… فهمت.» للحظة ضاقت عينا تيناشا كما لو أدركت شيئًا، ولكن قبل أن يتسنى لأوسكار التفكير في الأمر عاد تعبير وجهها طبيعيًا، وفكت ذراعيها ثم نقرت بسبابتها على جبهتها بخفة.
«عليّ أن أعْلِمك مقدمًا أن 'اللعنة' لا يمكن إبطالها دومًا.»
«ماذا تعنين؟»
«ما ندعوه بالسحر يكون منظمًا وفق قواعد مشتركة ويعمل بناءً على ذلك، ولكن اللعنة لا تخضع لقواعد. اللغة… ليست مجرد كلمات؛ فهي أيضًا تشتمل على كل وسائل التواصل غير اللفظية كلغة الجسد. لكن الكلمات التي نستخدمها تحمل المعاني التي نخصصها لها، وإضافة السحر إلى ذلك يجعل منها لعنة. بالطبع هذا الأمر يختلف تبعًا للشخص الملعون… لذا في الحالات الحادة، إذا لم تحدَد طريقة لإبطال اللعنة في وقت النطق بها؛ فحتى مُلقيها لن يستطيع حلها.»
«… إذًا لا يمكن إبطالها؟»
«لا يمكن. ولكن من ناحية أخرى، فاللعنات ليست ذات قِوىً استثنائية، إنها تحرف أو تعيق تدفق الطاقة الطبيعية حسب إرادة الفرد، فلا تملك القدرة لقتل شخص بشكل مباشر. وعلى أكثر تقدير، فهي تعمل بأساليب غير مباشرة… لكنها ليست حتمية.»
شعر أوسكار بالريبة من هذا الشرح فسأل سؤالًا آخر.
«ولكن أليست هذه اللعنة قوية جدًا؟»
«بلى، لقد تعدت الحدود الطبيعية. هذا لأن ما وُضع عليك في الواقع ليس لعنة وإنما شيئًا أكثر شبهًا ببَرَكة أو حماية.»
«ماذا؟»
أُصيب أوسكار بالدهشة، فقامت تيناشا من مقعدها واتكأت على المنضدة بجسمها الممشوق ثم مدت يدها ناصعة البياض إليه. كانت بشرتها شاحبة جدًا لدرجة أنها جلبت إلى الذهن شكل الثلج الساقط حديثًا. نظر أوسكار إلى أصابع الساحرة نظرة واحدة وهي تقترب ثم عجز عن الحراك.
ولكن كفها الناعم لم يلمسه بل خدشت أصابعها أمام وجهه دون أن تلمسه، وفجأة انبثق ختم سحري أحمر من البقعة التي كادت أن تلمسه فيها.
«ما هذا؟»
«لقد أظهرت البركة المُلقاة عليك، رغم أن هذا مجرد جزء واحد منها.» سحبت تيناشا يدها فاختفى الختم السحري بسرعة كما ظهر، ثم عادت إلى مكانها.
«في الأساس، يتم إلقاء اللعنات والبركات بنفس الطريقة ولكن اتجاه القوة مختلف، تأخذ الطاقة الموجودة هنا بالفعل وتعززها. وفي حالتك، فما وُضع عليك قوي إلى حد كبير؛ نظرًا لمدى قوة المُلقي، وهو يستغل ذلك. وعلى الأرجح سيغلف أي طفل تنجبه بطاقة هائلة ويحميه داخل الرحم. جسد الأم الطبيعي لن يتمكن من تحمل شيء كهذا.»
صُدم أوسكار بشكل غير معهود من هذا الشرح غير المألوف تمامًا، وجلس في ذهول أمام الساحرة التي كانت تنظر إليه نظرة شفقة.
«امم، إذًا ما تقولينه هو أنك بعد كل ذلك، لا يمكنك إبطالها…؟»
«إذا تمكنتُ من تحليل ما أُلقي عليك، فبإمكاني استخدام السحر لتقليل التأثير. ولكن السحر ظل جزءًا منك لقرابة عشرين سنة الآن… كما هو متوقع من ساحرة الصمت.» ضيقت تيناشا عينيها وحدقت في صدر أوسكار كما لو كانت تنظر إلى شيء تصعب رؤيته. «أنا حقًا أشعر بالأسف الشديد تجاهك ولكن…»
«هاي…»
حل صمت مربك. وأشعَر الجو الكئيب بأنه قد يستمر للأبد، غير أن تيناشا أنهته بأن هبَّت واقفة ثم صفقت بخفة بيديها.
«بما أنك جئت كل هذه المسافة إلى هنا، فعلى الأقل سأفعل ما بوسعي لمساعدتك.»
وبينما كانت تتحدث، قامت بجلب صحن غير عميق يحوي ماءً من أعماق الغرفة، ووضعته على المنضدة. كان منقوشًا برموز سحرية من الداخل، وتلألأ ما فيه من الماء القليل في ضوء شمس الغروب.
سألها أوسكار: «ألديك شيء يمكنك تجربته؟»
«يوجد تدبير مضاد بسيط.»
عادت الساحرة إلى الجلوس ووضعت يدها اليمنى فوق صحن الكهانة. ثم ظهرت تموجات على سطح الماء رغم عدم وجود أي رياح.
«بسبب أن المشكلة تكمن في حقيقة أن الأم لن تستطيع تحمل الطاقة الحامية التي يحملها الطفل، فعليك اختيار امرأة قوية تقدر على ذلك.»
«… هذا بسيط. أتوجد امرأة كهذه؟»
«لا بد أن هناك واحدة أو اثنتان في مكان ما في القارة… غالبًا. سوف أبحث مع التركيز على الطاقة السحرية والمقاومة السحرية، لذا تجاهل أي شيء آخر.»
على سطح الماء ظهرت صورة غابة بعيدة. قطَّب أوسكار جبينه بشدة حتى كاد أن يصيب نفسه بالصداع.
«ماذا لو كانت زوجة أحدهم أو امرأة عجوز أو طفلة؟»
ردت تيناشا بوجه باسم بابتهاج: «إذا كانت متزوجة فهي غير متاحة، ولا نستطيع فعل شيء حيال ذلك، ولكن يمكننا تعديل كبر السن بالسحر… ولو كانت طفلة فهذا رائع؛ يمكنك حينها أن تربيها لتكون بالضبط كما تحب! الفوارق العمرية التي تصل إلى عشرين سنة هو أمر طبيعي في عائلة ملكية على أي حال.»
«أنا لم أبدأ البحث فعلًا بعد، لذا رجاءً كن متفائلًا.»
«صحيح...» شعر أوسكار أنه حقًا سيصاب بالصداع النصفي، فأمسك رأسه بين كفيه.
برغم النسبة المقبولة من الأمل التي كانت لدى أوسكار عند صعود البرج فأسوء مخاوفه قد تأكددت من الساحرة، والآن هذا يحدث. وإضافة إلى ذلك، يبدو أن الشخص الذي ألقى 'اللعنة' في المقام الأول لا يستطيع حتى إزالتها، مما يجعل أوسكار حقًا في مأزق. ألا توجد بالفعل أية خيارات أخرى؟ وبينما كان قلقًا بشأن أنه يجب أن يكون 'متفائلًا' الآن، فجأة خطر شيء على باله.
«تيناشا.»
«ووه! ماذا؟»
«هل فاجأك هذا؟»
تناثرت بضع قطرات من الماء على المنضدة رغم أنها لم تلمسه كما لو كانت استجابة لذهولها. ثم مسحت الماء من يدها اليمنى المبتلة.
أجابت تيناشا: «لأنه نادرًا ما يناديني أحد باسمي…»
«ولكن أنت من أخبرتني به.»
«أنا آسفة.» أخذت تيناشا قطعة قماش من ليتولا وجففت الماء على المنضدة، ثم طوتها وسألت مجددًا: «إذًا ما الأمر؟»
«اه، ام، ماذا عنك؟»
لم يبدُ أن تيناشا فهمت السؤال فأشارت إلى نفسها بتعبير مرتبك.
فأعاد أوسكار سؤاله بشكل أوضح: «أيمكنك الصمود أمام سحر ساحرة الصمت؟»
«بسهولة ولكن… مهلًا…»
فهمت تيناشا أخيرًا، فشحب وجهها بوضوح.
«حسنًا إذًا، حُلَّت المشكلة.» عدَّل أوسكار جلسته، وشرب آخر جزء من الشاي. ثم هبَّت تيناشا جزئيًا من مقعدها بوجه شاحب للغاية.
«مهلًا، انتظر لحظة…»
«أنت أمر مؤكد مقارنة بامرأة قد لا توجد من الأساس. رغبتي كبطل هي أن تنزلي من هذا البرج وتصبحي زوجتي.» قال أوسكار مطلبه بثقة تامة كما لو كان من حقه.
تجمدت تيناشا في مكانها، ولكن سرعان ما ضربت المنضدة بيديها الصغيرتين. «أنا—أنا لا أستطيع فعل شيء كهذا!»
قال أوسكار بلهجة بطيئة ساخرًا: «قلت أنك ستفعلين ما بوسعك، أليس كذلك؟»
«هناك حدود! لا أستطيع ذلك!»
شاهدها أوسكار باستمتاع وهي تصيح بغضب حتى ازرقَّ وجهها ثم قال: «هل أنت في الوقع متزوجة؟»
«لم أتزوج قط.»
«هل تواعدين أحدًا؟»
«لم أفعل.»
«لقد قلت أن هناك وسائلًا لتعديل كبر السن.»
«أجل، أنا كبيرة بالسن ولكن من المزعج أن تناديني بذلك! وهذه ليست المشكلة!» كانت تيناشا متكئة على المنضدة. تخللت ابتسامتها رجفة طفيفة، وبدأ العرق البارد ينقط جبهتها وقالت: «ليس من الحكمة تقديم ساحرة إلى السلالة الملكية. كل من في المجلس الملكي سيستشيط غضبًا من هذه الفكرة.»
«أود أن أرى ذلك نوعًا ما…» تملص أوسكار بفتور من محاولاتها اليائسة في المقاومة. فانهارت الساحرة في كرسيها من الإرهاق.
«أنت تشبه ريج في كثيرمن النواحي، ولكنك أيضًا لا تشبه إطلاقًا… لديك شخصية فريدة.»
رد أوسكار بهدوء: «ربما أنا خبيث النفس.» فنظرت تيناشا إليه شزرًا.
هزت الساحرة رأسها وأخذت نفسًا عميقًا بضع مرات ثم قالت: «على أي حال، الجواب هو لا. إذا تساهلت في قبول رغبات كهذه، لكنت جدة والدك الآن.»
كان أوسكار متفاجئًا ولو بشكل غير ملحوظ من سماع هذه العبارة، ولكن في الوقت ذاته وجدها معقولة. فجد والده الذي قالت تيناشا أنه كان بريئًا جدًا، على الأغلب قد وقع في حب هذه الساحرة منذ سبعين سنة، ويبدو أن تيناشا لم تقبل طلبه. كانت هذه الوقائع مختلفة تمامًا عن الحكايات الخيالية التي رُويت عن جد والده في فارساس. وهذا أثار اهتمام أوسكار إلى حد ما، فأراد أن يسأل عن التفاصيل، ولكن نظرًا لأنهما قد التقيا للتو فربما سيكون هذا غير مهذب. فكتم أوسكار تساؤلاته الطفولية.
«قد يكون جد والدي قد تراجع ولكنني لست هو. وهذا بالفعل لا علاقة له بي على أي حال.»
«ما الذي تتحدث عنه؟ هذا لم يكن مقبولًا حينها، وليس مقبولًا الآن! هذا مرفوض بكل معنى الكلمة!»
«مرت سبعون سنة، كيف يمكنك قول لا بهذه الثقة؟ كوني أكثر مرونة قليلًا.»
«هناك حدود للمرونة!»
وبينما كانت تيناشا تحدث جلبة كبيرة، مد ليتولا يده من جانبها ليأخذ الفنجانين الفارغين من على المنضدة.
وعندما عاد الجني ومعه إبريق من الشاي الساخن، كان أوسكار وتيناشا لا يزلان يتجادلان.
أوسكار كان هادئًا، إلا أنه لم يكن لديه أي نية في التراجع. وبدت الساحرة مرهقة ذهنيًا نوعًا ما.
وفي النهاية، ضاقت تيناشا ذرعًا من الأمر وتنهدت.
«اخ، إذا كنت ستبالغ هكذا، فسأعدِّل ذاكرتك وأعيدك إلى قلعتك!»
«لا أظن أن ما قلته للتو يمدح في شخصيتك.»
«وهذا ينطبق عليك أيضًا!» وقفت تيناشا وابتسمت ثم مدت يدها اليمنى تجاه أوسكار، فبدأ شيء يتجمع في كفها. وفي لحظة واحدة تغير جو الغرفة.
«هاي، هاي، سأدافع عن نفسي.» كان أوسكار يتصرف بلا مبالاة حتى الآن، ولكن أخيرًا قام واستَّل سيفه. بدت تيناشا متفاجئة عند رؤية مقبض سلاحه.
«لماذا تتجول في الأرجاء حاملًا شيئًا كهذا؟ إنه كنز وطني.»
«أشياء كهذه صُنعت لتُستخدم.»
عكس النصل المصقول ذو الحدين عينا تيناشا، ولمع كالمرايا، وزينت مقبضه زخارف عتيقة. السيف الملكي أكاشيا الذي تم توارثه عبر العصور في فارساس كان السيف الوحيد في العالم الذي يحمل مقاومة سحرية كاملة.
كان هناك أسطورة تحكي أنه منذ زمن طويل، أخرجت مخلوقات غير بشرية السيف من بحيرة ووهبته، ولكن لم يتم تأكيد الحكاية مطلقًا. كان هذا السلاح موجودًا منذ تأسيس فارساس، وحتى مؤخرًا نادرًا ما كان يستخدم في المعارك؛ فكان الملك يحمله فقط في المناسبات الرسمية. كان أوسكار يعامل السيف كأحد ممتلكاته الشخصية. وكان جليًا أنه شيء سيعده أي ساحر عدوًا طبيعيًا له، وتيناشا بصفتها ساحرة لم تكن استثناءً.
بدت متجهمة وترددت لفترة أطول قبل أن تبدد السحر الذي كانت تستدعيه.
«اخ، فلنناقش الأمر أكثر قليلًا.»
«أنا موافق تمامًا. اهدئي.»
عندما جلس الاثنان، أعاد ليتولا ملء فنجاني الشاي. وصففت تيناشا بيديها خصلات شعرها التي قد بدأت تتبعثر.
«أنت عنيد بشكل غريب. عليك أن تستسلم بالفعل.»
«يمكنني قول المثل بشأنك…» بدا أوسكار مستغرقًا في التفكير، ثم رفع فنجان الشاي إلى شفتيه، وعندئذ تذكر شيئًا.
«صحيح. سمعت أنك عشت لفترة من الوقت في قلعة فارساس منذ سبعين سنة.»
«لقرابة نصف عام، أجل. قمت بتدريس السحر، وزراعة الزهور. كان وقتًا ممتعًا إلى حد كبير.»
شعر أوسكار أن هذا معقول ولكن كان صعبًا عليه تخيله. ثم أمال رأسه متفكرًا وقال: «أكانت هذه رغبة جد والدي؟»
فأجابت تيناشا وهي تبتسم في وجهه، وتجعدت عيناها: «لا.» كان واضحًا أنها لم تكن لديها نية في إخبار أوسكار عن رغبة ريجيوس الحقيقة، نظرًا لردها المقتضب.
رفع أوسكار حاجبه قليلًا، ولكنه فهم مقصود ردها فلم يلح في الأمر. وبدلًا من ذلك اقترح رغبة مختلفة خاصة به قائلًا: «ماذا عن هذا: اتركي هذا المكان لمدة عام وعيشي معي في فارساس. هذا طلبي كبطل، هل تقبلين بهذا؟»
بدت تيناشا مندهشة من المطلب غير المتوقع، إلا أنها عندما فكرت في جدالهم المطول، اعتبرته اتفاقًا لا بأس به. فبالنسبة لساحرة مثلها، العام ليس بفترة طويلة. وفي لمح البصر، استرجعت ذكرياتها العزيزة للمشاهد في فارساس. ثم قامت الساحرة بالشهيق ببطء ثم الزفير، واتخذت قرارها.
«حسنًا، إذًا. سأنزل من هذا البرج بصفتي حاميتك. بداية من اليوم، أنا وأنت لدينا عقد لمدة عام.»
رفعت ذراعها ووجهت إصبعها الأبيض إلى جبين أوسكار، فانبعث ضوء أبيض خافت من طرف إصبعها ثم مرَّ عبر الهواء حتى اختفى بداخل جبينه. ضغط أوسكار بأصابعه على المكان الذي لمسه فيه الضوء، ولكن لم يشعر بأي شيء غريب.
«ماذا فعلتِ؟»
«إنها علامة؛ لنبدأ بها.»
نهضت تيناشا مبتسمة ومدَّدت ذراعيها عاليًا لترخي جسمها المتيبس.
«إذا كنتُ سأغادر البرج، فيجب أن نغلق المدخل. اعتنِ به يا ليتولا.»
«مفهوم.»
خرج ليتولا من الغرفة، ووقف أوسكار أيضًا.
كان الغسق قد حلَّ بالفعل، ولوَّن الوادي البعيد بآخر أشعة الضوء. وقف أوسكار بجانب تيناشا، وكان أطول منها بكثير فنظر إليها بابتسامة خبيثة وقال: «إذا غيرت رأيك خلال هذه الفترة وقررت البقاء في فارساس بشكل دائم، فلا مانع لدي.»
«لن أفعل.»
وهكذا صارت ساحرة القمر اللازوردي حامية ولي عهد فارساس، وظهرت وسط الناس لأول مرة بعد قرابة سبعين عامًا. ولم يكن في حسبانها أن قصة سوف تَعزف أوتار قدرها كانت تبدأ للتو.
-----
«لازار! استيقظ!»
انتفض الشاب قائمًا بشكل لا إرادي من صوت سيده، ووجد نفسه تحت ظل نفس الشجرة التي ربط الحصانين فيهما خارج البرج. استوعب لازار ما حوله ثم رفع نظره إلى أوسكار الذي كان خلفه مباشرة.
«ايه؟ سمو الأمير…؟ ألم أكن… أصعد البرج منذ برهة…؟ حلَّ الظلام بالفعل؟»
«كفى. سنعود إلى المنزل. انهض.»
قام لازار وهو مرتبك من التشوش في ذهنه، وفك رباط الحصانين ثم قال: «أنت مستعد للعودة؟»
«أجل، انتهى عملي.»
ظن لازار أن هذا غريب ولكنه أخرج حصانه مع ذلك. ومن ثمَّ لاحظ لأول مرة أن هناك شخصًا يقف في ظل سيده. عندما أحست الفتاة الجميلة بأعين لازار عليها، ابتسمت كزهرة تتفتح. بدت بشرتها البيضاء وشعرها الأسود سماتًا لدولة مجهولة ما، وعيناها السوداوان القويتان جذبته بالكامل.
«سمو الأمير، من…؟»
«إنها تلميذة الساحرة، ستغادر البرج لتعيش في فارساس لفترة من الوقت.»
«اسمي تيناشا.»
انحنت الفتاة بأدب، فسارع لازار بخفض رأسه بنفس الطريقة. رغم قول أوسكار أنها ستغادر البرج، فلم تكن تحمل أي حقيبة. ووجد لازار هذا غريبًا فاقترب من سيده ليهمس في أذنه: «إذا كانت هذه تلميذة الساحرة، فهل يعني هذا أنك قابلت الساحرة؟»
«أجل، فعلت.»
«ولم تلتهمك؟»
«أتريدني أن أضربك…؟»
اعتلى أوسكار السرج ثم قدَّم يده إلى تيناشا. ما زال لازار يبدو قلقًا، فبدأ أوسكار بقول شيء لخادمه ثم تجهم قليلًا: «كانت… تجربة مثيرة. في عديد من النواحي.»
بدا أوسكار غاضبًا لسبب ما، وسحب تيناشا إلى أعلى السرج. ببنيتها الصغيرة جلست بسهولة أمامه ثم أسدلت أهداب عينيها الطويلة.
ربما بسبب شعر تيناشا وعينيها، جلب جمالها إلى الذهن الليلة الصافية. وبدت مرتاحة تمامًا في مكانها الحالي، كما لو كانت دائما بجانب أوسكار. كان لازار مفتونًا بالكامل بالصورة الجميلة التي رسمها الاثنان، فعبس أوسكار في وجه صديق طفولته.
«ماذا هناك؟ ألم تكن تريد العودة؟»
«اوه، أ-أجل… آسف.»
أسرع لازار إلى ركوب جواده. غابت الشمس وسرعان ما ولج الليل. ثم لوحت تيناشا بيدها فظهر ضوء صغير بجانب أنف الحصان تمامًا.
عبَّر أوسكار عن إعجابه بالكرة التي تنير طريقهم وقال: «السحر، هاه؟ هذا مريح.»
«يمكنني فعل ذلك في أي وقت. لا تتردد في سؤالي كلما أردت أن تحرق شيئًا.»
رد أوسكار بسلاسة: «لا حاجة لذلك. كل ما عليك هو البقاء بقربي.» فرفعت تيناشا نظرها إليه في حيرة، ثم عادت إلى رشدها وأغلقت عينيها مبتسمة.
وبينما شاهدهما لازار، أحس فجأة بلمحة ضئيلة من هاجس يخبره أنه من الآن فصاعدًا ستصير الأمور معقدة جدًا.
«فلننطلق يا لازار.»
ركض الفرس الذي يحمل أوسكار والفتاة بسرعة. وأمسك لازار بعِنان فرسه ثم نظر نظرة أخيرة إلى البرج. واستطاع أن يرى في الضوء الخافت أن الباب الذي كان موجودًا سابقًا قد اختفى، وحل مكانه نفس السطح الأملس اللازوردي الذي يكون باقي البناء.

تعليقات
إرسال تعليق